بينت فيما مضى الأبواب الرئيسية في الاستشارة، وهناك مسائل مهمة لم ترد فيما سبق، ولا بد من بيانها استكمالا للموضوع، وحيث إنها ليست في موضوع واحد من موضوعات الشورى، فقد جعلت لها عنوانا خاصا أسميته: معالم في الشورى.
وقد تكون من باب التعليم، كبيان الحلال من الحرام لرجل قد وقع في الحرام وهو لا يعلم، فإن هذا من التعليم، وهو نصح له.
* ومن النصح أن تدل إنسانا على أمر فيه نجاة له، وقد خفي عليه هذا الأمر، فهذه نصيحة ومشورة. وقد وردت النصيحة في القرآن والسنة، فنوح -عليه السلام- يقول لقومه: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ) [1] [سورة الأعراف، الآية: 62] وهود -عليه السلام- يقول: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) [2] [سورة الأعراف، الآية: 68] إلى غير ذلك من الآيات. وفي الحديث الصحيح الذي رواه أبو رقية تميم بن أوس الداري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" [3] .
* وفي الحديث الصحيح- أيضا- قال الصحابي الجليل:"بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وعلى النصح لكل مسلم" [4] ..
* ومن خلال ما سبق تتضح أهمية النصيحة ومشروعيتها، ومن النصيحة التي وردت في القرآن، وهي من المشورة الصادقة، نصيحة الرجل من آل فرعون لموسى -عليه السلام-،فبعد أن أخبره أن الملأ يتشاورون في قتله، نصحه وأشار عليه بالخروج: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَاتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) [5] [سورة القصص، الآية:20.] وقد أخذ موسى بنصيحته ومشورته. (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [6] [سورة القصص، الآية: 21] ونجد مقابل ذلك النصيحة الكاذبة والمشورة الموبقة، عندما أشار إبليس على أبينا آدم -عليه السلام- أن يأكل هو وزوجته من الشجرة، وعندما رأى منهما عدم الاستجابة الفورية لمشورته أقسم لهما -كاذبا- إنه ناصح لهما) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ) [7] [سورة الأعراف، الآيتان: 21، 22.] .
* وبهذا يتضح لنا أن من أنواع النصيحة وأقسامها: أن تشير على إنسان في أمر من الأمور التي ترى فيه خيرا له، ولو لم يطلب منك أن تشير عليه، فإن هذا من باب النصح له، والشفقة عليه، وهو داخل في باب التعاون على البر والتقوى.
* ومثل ذلك ما أشار به الحباب بن المنذر في بدر، فعندما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر قبل الماء، جاءه الحباب فقال له:
أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
(1) - سورة الأعراف آية: 62.
(2) - سورة الأعراف آية: 68.
(3) - أخرجه مسلم (1/ 74، رقم 55) وأبو داود"4944"والنسائي"4200"وأحمد (4/ 102) عن تميم الداري وأخرجه الترمذي"1927"عن أبي هريرة.
(4) - أخرجه البخاري (1/ 166، رقم 57 - فتح) . ومسلم (1/ 75، رقم 56) .
(5) - سورة القصص آية: 20.
(6) - سورة القصص آية: 21.
(7) - سورة الأعراف آية: 21 - 22.