فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 79

وقبل أن أتجاوز المواضع التي وردت في القرآن الكريم دالة على الشورى، أذكر موضعين أشار إليهما بعض المفسرين، مع أن الدلالة ليست مسلمة بإطلاق، وبخاصة في الموضع الأول، وسأذكر بعض ما قيل حول هذين الموضعين:

الموضع الأول:

قال -تعالى- في سورة البقرة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) [1] [سورة البقرة، الآية: 30] .

* قال ابن عاشور: وقول الله هذا موجه إلى الملائكة على وجه الإخبار، ليسوقهم إلى معرفة فضل الجنس الإنساني، على وجه يزيل ما علم الله أنه في نفوسهم من سوء الظن بهذا الجنس، وليكون كالاستشارة لهم تكريما لهم، فيكون تعليما في قالب تكريم، مثل إلقاء المعلم فائدة للتلميذ في صورة سؤال وجواب، وليسنّ الاستشارة في الأمور، ولتنبيه الملائكة على ما دق وخفي من حكمة خلق آدم، كذا ذكر المفسرون، وعندي -الكلام لابن عاشور- أن هذه الاستشارة جعلت لتكون حقيقة مقارنة في الوجود لخلق أول البشر، حتى تكون ناموسا أشربته نفوس ذريته، لأن مقارنة شيء من الأحوال والمعاني لتكوين شيء ما تؤثر تآلفا بين ذلك الكائن وبين المقارن [2] .

* وقال في تفسيره لقوله -تعالى-: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) [3] [سورة آل عمران، الآية: 159] .

هذا والشورى ما جبل الله عليه الإنسان في فطرته السليمة، أي: فطره على محبة الصلاح، وتطلب النجاح في المساعي، ولذلك قرن الله -تعالى- خلق أصل البشر بالتشاور في شأنه إذ قال للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [4] [سورة البقرة، الآية: 30] .

إذ قد غني الله عن إعانة المخلوقات في الرأي، ولكنه عرض على الملائكة مراده؛ ليكون التشاور سنة في البشر، ضرورة أنه مقترن بتكوينه، فإن مقارنة الشيء للشيء في أصل التكوين يوجب إلفه وتعارفه، ولما

(1) - سورة البقرة آية: 30.

(2) - انظر: التحرير والتنوير 1/ 400.

(3) - سورة آل عمران آية: 159.

(4) - سورة البقرة آية: 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت