وقد قيل للحسين بن الفضل: أليس قد قدّر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال بلى. قيل له: فما معنى ليلة القدر؟ قال: سوق المقادير الى المواقيت. وتنفيذ القضاء المقدّر. فما وضع في تلك الليلة من قيم وأسس وموازين, وقدّر فيها من أقدار الفرد وأقدار الشعوب والأمم, وأقدار الحقائق والأوضاع والقلوب كفيل بأن يسمو بقدر هذه الليلة لتكون الوعاء الذي حمل الرحمة العامّة الى الانسانية كلها, والظرف الذي تنزلت فيه أولى قطرات غيث الهداية العظمى على الحياة.
وقد زاد المولى سبحانه في اعلاء شأنها بين ليالي الزمان, بأن خصّها بكثرة نزول الملائكة فيها, وهبوطهم بشآبيب الرحمة الالهية والبشرى على المؤمنين الذين يغتنمون هذه الليلة بالمثول بين يدي ربّهم ركّعا سجدا, يبتغون فضلا من ربّهم ورضوانا, فتتنزل عليهم ملائكة الرحمة بأمر الله: من العفو والمغفرة للتائبين والمستغفرين , والرضا والقبول للطائعين العابدين, والاستجابة والرحمة للسائلين المتضرّعين: { وما نتنزل الا بأمر من ربّك} , فيهبط جبريل عليه السلام بكوكبة عظيمة من الملائكة تشريفا وتكريما, يصلّون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز وجل, ويحفون بجموع المؤمنين.