فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 62

ويقصدون بهذه المقولة:"أن العناية الإلهية مجرد مصادفة؛ فمن صادفته سعد ونال ما يريد، بينما المعلوم بالضرورة من دين الله أن كل شيء قدره الله وكتبه من قبلِ أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعنايته وعطاؤه سبحانه إنما يكون بحكمته البالغة."

وهذا كلام خاطئ؛ فالله عز وجل لا يفلت منه شيء، فكيف يوصف أحد بأنه"فلتة"، فهل أفلت من علم الله أم من قدرته أم من تدبيره؟! حاشا لله أن يفوته شيء؛ كما قال تعالى: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس: 61] .

ومن الخطأ أيضًا في هذه العبارة ما ينسب للزمان: من خَلْق أو تدبير أو تقدير أو تصريف، وإنما الذي يفعل ذلك هو الله - جل وعلا، والصحيح أن نقول:"آية من آيات الله".

وهذه الكلمة تقال عند حدوث الكوارث الطبيعية، مثل: الزلازل والفيضانات، والبراكين والأعاصير، وهذه كلمة خاطئة؛ فالطبيعة ليس لها سلطان، والكون كله لا يتحرك إلا بإذن الله، وكل ما نراه من الزلازل والبراكين والأعاصير والفيضانات ما هو إلا جندٌ من جنود الله، يرسلها الله تعالى عقوبة؛ كما قال تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40] ، وقد يرسل الله تعالى هذه الآيات إنذارًا وتخويفًا؛ كما قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] .

وهي عبارة خاطئة؛ فالذي يهَبُ القوة والشجاعة وكل صفات المخلوق هو الله - جل وعلا، وأما الطبيعة فهي مخلوقة لا خالقة، وليس لها أن تعطي أو تمنع، وهذه الكلمة رغم شيوعها هي في الأصل من كلام الملاحدة الذين ينكرون وجود الله، ويقولون:"إن كل شيء من صنع الطبيعة".

يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى - كما في"مفتاح دار السعادة" (282) :

"بعد أن خاطب المعاند بالنظر في نفسه وأعضائه، وتقدير كل عضو منها للأرب (الأرب بفتحتين: الحاجة) والمنفعة المهيأ لها، قال: وكأني بك أيها المسكين تقول: هذا كله من فعل الطبيعة، وفي الطبيعة عجائب وأسرار، فلو أراد الله أن يهديك لسألت نفسك وقلت: أخبريني (يخاطب نفسه) عن هذه الطبيعة؟ أهي ذات قيام بنفسها، لها علم وقدرة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت