على هذه الأفعال العجيبة؟! أم ليست كذلك، بل عرض [1] وصفة دائمة بالمطبوع تابعة له محمولة فيه؟! فإن قالت لك: بل هي ذات قائمة بنفسها، لها العلم التام والإرادة والحكمة، فقل لها: هذا هو الخالق، البارئ، المصور، فلم تسمينه طبيعة؟! وإن قالت لك: بل الطبيعة عَرَض محمول مفتقر إلى حامل، وهذا كله فعلها بغير علم منها ولا إرادة، ولا قدرة، ولا شعور أصلًا، وقد شوهد من آثارها ما شوهد، فقل لها: هذا ما لا يصدقه ذو عقل سليم! كيف تصدر هذه الأفعال العجيبة والحِكَم الدقيقة التي تعجز عقول العقلاء عن معرفتها، وعن تصور القدرة عليها ممن لا عقل له ولا قدرة ولا حكمة ولا شعور؟! وهل التصديق بمثل هذا إلا دخول في سلك المجانين والمبرسمين؟! [2] ، ثم قل لها بعدُ (أي بعد ذلك) : ولو ثبت لك ما ادعيت، فمعلوم أن مثل هذه الصفة (ولعل الصواب: الطبيعة) ليست بخالقة لنفسها، ولا مبدعة لذاتها، فمن ربها ومبدعها وخالقها؟ ومن طبعها وجعلها تفعل ذلك؟! فهي إذًا من أدل الدلائل على بارئها وفاطرها، فإذا أقررت بالخلاق العظيم الذي لا إله غيره، لا رب سواه، فدَعْ تسميته طبيعة أو عقلًا فعالًا أو موجبًا بذاته (وهي عبارات غير صحيحة) ، وقل: هذا هو الله الخالق، البارئ، المصور، رب العالمين.
على أنك لو تأملت قولك: (طبيعة) ومعنى هذه اللفظة، لدلك على الخالق البارئ لفظُها، كما دل العقول عليه معناها؛ لأن (طبيعة) فعيلة بمعنى مفعولة؛ أي: مطبوعة، ولا تحتمل غير هذا البتة.
ومعلوم أن (طبيعة) من غير طابع لها محال؛ فقد دل لفظ (طبيعة) على البارئ تعالى، كما دل معناها عليه، والمسلمون يقولون:"إن الطبيعة خلق من خلق الله، مسخر مربوب، وهي سنته في خلقه التي أجراها عليهم"، ثم إنه - سبحانه - يتصرف فيها كيف يشاء، كما شاء، فيسلبها تأثيرها إذا أراد، ويقلب تأثيرها إلى ضده إذا شاء؛ ليري عباده أنه وحده الخالق البارئ المصور، وأنه يخلق ما يشاء كما يشاء.
وقال - رحمه الله تعالى - أيضًا كما في"طريق الهجرتين" (114) :
"فالطبيعة مخلوق من مخلوقاته، ومملوك من مماليكه وعبيده، مسخرة لأمره - تعالى - منقادة لمشيئته، ودلائل الصنعة وأمارات الخلق والحدوث وشواهد الفقر والحاجة: شاهدة عليها بأنها مخلوقة مصنوعة، لا تخلق، ولا تفعل، ولا تتصرف في ذاتها ونفسها، فضلًا عن إسناد الكائنات إليها"؛ اهـ.
هذه الألفاظ خطأ؛ وذلك لأن المشيئة صفة من صفات الله تعالى، والصفة تضاف إلى موصوف، والموصوف بهذه الصفة في الحقيقة هو الله - جل وعلا - فهو سبحانه الذي يستحقها؛ فإنه صاحب المشيئة الكاملة، والقدرة التامة؛ فإضافة المشيئة إلى الحكمة أو القدرة خطأ، فلا تضاف صفة إلى صفة، وإنما يقال:"شاء الله"، وكذلك لا يقال:"شاء"
(1) ) العَرَض: الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع؛ أي: محل يقوم به؛ كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يحله ويقوم هو به.
(2) ) البرسام: علة معروفة، ولعل الشيخ يقصد به: الجنون.