أي إن الأشهر علامات وأوقات لأحوال وسنن لله تعالى؛ فمن سنة الله تعالى في الشتاء: البرد والمطر، ومن سنته سبحانه في الصيف: الحرارة والقيظ، فإذا قلنا:"إن الله تعالى يمطرنا في شهر طوبة"فلا شيء في ذلك، وإن قلنا:"إن الله يرسل علينا الريح والغبار في شهر أمشير"فلا شيء في ذلك، والله تعالى أعلم.
تنبيه:
ويشبه هذا القول:"مطرنا بنوء كذا وكذا"قول البعض:"طوبة" (أي الشهر) تفعل بنا الأفاعيل من البرد والمطر، و"أمشير" (أي الشهر) يرسل علينا الرياح والغبار والزعابيب، وهذا كله لا يجوز؛ لأنهم ينسبون شدة البرد ونزول المطر إلى مشيئة شهر طوبة، وينسبون الزعابيب (الرمال التي تندفع بشدة) وشدة الريح وكثرة الغبار إلى شهر أمشير، وأن هذه الأشهر تفعل الأفاعيل بالناس، وهذا خطأ فاحش.
ويقولون هذا الكلام ويقصدون أن حالة الجو غير مناسبة، أو لا تعجبهم، ومن المعلوم أن الريح والغيم والمطر والحر والبرد آياتٌ من آيات الله عز وجل، وهي مُسخَّرة بأمره سبحانه وتعالى، يصرفها كيف يشاء؛ قال تعالى: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] .
وهذه الآيات منها ما يكون عذابًا؛ كما قال تعالى: {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأحقاف: 24] ، ومنها ما يكون رحمة ورزقًا؛ كما قال تعالى: {وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا} [غافر: 13] .
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا هبت ريح يقول: (( اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخيرَ ما أُرسِلَت به، وأعوذ بك من شرِّها، وشرِّ ما فيها، وشرِّ ما أرسلت به ) )؛ (رواه الترمذي بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما) .
ونهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن سب أو لعن الريح؛ لأنها مأمورة؛ فقد أخرج الترمذي - بسند حسن - عن أبي بن كعب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تسبُّوا الريح ) )، وفي رواية أخرى: (( لا تلعنها؛ فإنها مأمورة ) ).
نقل النووي - رحمه الله تعالى - في كتابه"الأذكار"قول الشافعي - رحمه الله تعالى:"لا ينبغي لأحد أن يسب الريح؛ فإنها خَلْقٌ لله تعالى مطيع، وجند من أجناده، يجعلها رحمة أو نقمة إذا شاء".
-وقال الشيخ بكر أبو زيد في معجم"المناهي اللفظية"نقلًا عن ابن القيم - رحمه الله تعالى - حيث قال:
"وقد كان السلف يحاسب أحدهم نفسه في قوله:"يوم حار، ويوم بارد"، ثم قال الشيخ بكر - رحمه الله تعالى:"وقد أصبح من المعتاد لدى الناس تتبع تقلبات الجو، ومقياس درجاته؛ حرارةً وبرودةً، وما أكثر لهجهم بذلك، وإتباعه بالتأفف والتألم من شدة الحر وشدة البرد"؛ اهـ."