فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 62

وهذه العبارة منتشرة بين العوام، وخاصة النساء، إلا من رحم ربي، وهي تقال في الغالب عندما يسقط الطفل على الأرض، فتبادر أمه بلهفة قائلة:"اسم النبي حارسك وصاينك"، أو"اسم النبي حارسه وصاينه"، ومعناه: أن اسم النبي صلى الله عليه وسلم يحرس الطفل ويصونه، وهذا باطل بلا شك، وتأليه للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وشِرك بالله تعالى؛ فإنه لا يملك الحفظ والصيانة والكلأ ودفع الضر أو جلب النفع إلا اللهُ وحده، ثم نقول:"وهل اسم النبي أو النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحرس ويصون؟"، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مع علو مرتبته ومكانته لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرًّا ولا نفعًا؛ قال تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعراف: 188] ، وقال تعالى: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا} [الجن: 21] ، وروي في الحديث الذي أخرجه الطبراني بسند فيه مقال:"أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله ) )"، وإذا كان هذا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فهل يجوز أن يستعان أو يستغاث به بعد وفاته وينسب إليه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى؟

وهذا الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم ربما يجر إلى الشرك، كما فعلت النصارى وخالفوا أمر الله تعالى؛ حيث قال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 171] .

-لذا نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن المبالغة في إطرائه، والغلو في تعظيمه، فقال صلى الله عليه وسلم كما في"الصحيحين": (( لا تُطْروني كما أطرت النصارى عيسي ابنَ مريم؛ فإنما أنا عبد، فقولوا: عبدُ اللهِ ورسولُه ) ).

-لكن خالف البعض وخرجوا علينا بمثل هذه الأقاويل الفاسدة الشركية، بل وصل الأمر بالبعض عندما ينزل به نازلة، يقول:"ما لها إلا النبي"؛ أي: ليس لهذه النازلة إلا النبي صلى الله عليه وسلم نلتجئ إليه فيها، فيكشفها عنا.

ويقول البوصيري في بردته:

يا أكرمَ الخَلق، ما لي مَن ألوذ به = سواك عند حدوث الحادث العَمَم

فإن مِن جودك الدنيا وضَرَّتَها = ومِن علومك علمَ اللوحِ والقلم

فانظر ماذا فعل الغلو بأهله؟ وهذا كله ليس من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم في شيء، إنما تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم يكون باقتفاء أثره، واتباع هديه، والتمسك بسنته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت