106]، وقالوا: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] ، و {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر: 43] ... إلى غير ذلك مما يقولون، ولو كان الاحتجاج بالقدر على المعاصي سائغًا لاحتجوا به؛ فهم في أمس الحاجة إلى ما ينقذهم من نار جهنم.
7 -ومما يرد هذا القول ويبين فساده: أننا نرى الإنسان يحرص على ما يلائمه في أمور دنياه حتى يدركه، ولا تجد شخصًا يترك ما يصلح أمور دنياه ويعمل بما يضره فيها بحجة القدر، فلماذا يعدل عما ينفعه في أمور دينه إلى ما يضره ثم يحتج بالقدر؟!
وإليك مثالًا يوضح ذلك: لو أن إنسانًا أراد السفر إلى بلد، وهذا البلد له طريقان، أحدهما آمن مطمئن، والآخر كله فوضى واضطراب، وقتل، وسلب، فأيهما سيسلك؟ لا شك أنه سيسلك الطريق الأول، فلماذا لا يسلك في أمر الآخرة طريق الجنة دون طريق النار؟
8 -ومما يرد به على من يحتج بالقدر، أن يقال له:"لا تتزوج"؛ فإن كان الله قد قضى لك بولد فسيأتيك، وإلا فلن يأتيك، ولا تأكل ولا تشرب، فإن قدر الله لك شبعًا وريًّا فسيكون، وإلا فلن يكون، وإذا هاجمك سبعٌ ضارٍ فلا تفر منه، فإن قدر الله لك النجاة فستنجو، وإن لم يقدرها لك فلن ينفعك الفرار، وإذا مرضت فلا تتداوَ، فإن قدر الله لك شفاءً شفيت، وإلا فلن ينفعك الدواء.
فهل سيوافقنا على هذا القول أم لا؟ فإن وافقنا علمنا فساد عقله، وإن خالفنا علمنا فساد قوله، وبطلان حجته.
9 -لو قبلنا هذا الاحتجاج الباطل، لَمَا كان هناك حاجة للاستغفار، والتوبة، والدعاء، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
10 -لو كان القدر حجة على الذنوب، لتعطلت مصالح الناس، ولعمت الفوضى، ولما كان هناك داعٍ للحدود، والتعزيرات، والجزاءات؛ لأن المسيء سيحتج بالقدر، ولما احتجنا لوضع عقوبات للظلمة، وقطاع الطريق، ولا إلى فتح المحاكم، ونصب القضاء، بحجة أن كل ما وقع إنما وقع بقدر الله، وهذا لا يقول به عاقل؛ اهـ. (احذر أقوال وأفعال واعتقادات خاطئة، للدكتور طلعت زهران: ص 90) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - عن المحتجين بالقدر:
"هؤلاء القوم إذا أصروا على هذا الاعتقاد، كانوا أكفرَ من اليهود والنصارى"؛ (مجموع الفتاوى: 8/ 262) .
فالناس يقولون هذه الكلمة إذا عجزوا عن فعل أمر ما، ثم سئلوا: لماذا لم تفعلوا؟ فيقولون:"آدي ألله، وآدي حكمته"، ويقصدون بذلك أنهم عاجزون؛ لأنهم مسيرون لا اختيار لهم.