فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 62

الغندرة عند أصحاب هذا القول ترادف: فجور المرأة وتبرجها وسلوكها الرديء؛ أي إنك تفعلين ذلك، فإذا لامك لائم أحلت على القدر، وقلت:"ليس بيدي، بل هو مقدر علي، وهو مثل سيئ، يضرب لمن يفعل القبيح مرتكنًا على مثل هذا العذر الباطل؛ إذ لا يصح للمذنب أن يحتج على وقوعه في المعصية بأن هذا ما قدره الله عليه."

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى:"وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين وسائر العقلاء؛ فإن هذا لو كان مقبولًا، لأمكن كل أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النفوس وأخذ الأموال، وسائر أنواع الفساد في الأرض، ويحتج بالقدر، ونفس المحتج بالقدر إذا اعتدي عليه واحتج المعتدي بالقدر، لم يقبل منه، بل يتناقض، وتناقض القول يدل على فساده؛ فالاحتجاج بالقدر (على الذنب) معلوم الفساد في بداءة العقول"؛ اهـ. بتصرف (مجموع الفتاوى: 8/ 179) .

ومن الأدلة الشرعية الدالة على فساد الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي:

1 -قول الله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148] ؛ فهؤلاء المشركون احتجوا بالقدر على شركهم، ولو كان احتجاجهم مقبولًا صحيحًا، ما أذاقهم الله بأسَه، فمن احتج بالقدر على الذنوب، فهو متبع لمذهب الكفار، وينسب الظلم إلى الله تعالى.

2 -قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165] ، فلو كان الاحتجاج بالقدر على المعاصي سائغًا، لما انقطعت الحجة بإرسال الرسل، بل كان إرسال الرسل لا فائدة له في الواقع.

3 -أن الله أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلا ما يستطيع؛ قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، وقال سبحانه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، ولو كان العبد مجبرًا على الفعل، لكان مكلفًا بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل.

4 -أن القدر سر مكتوم، لا يعلمه أحد من الخلق إلا بعد وقوعه، وإرادة العبد لما يفعله سابقة لفعله، فتكون إرادته للفعل غير مبنية على علم بقدر الله؛ فادعاؤه أن الله قدر عليه كذا وكذا ادعاء باطل؛ لأنه ادعاء لعلم الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله، فحجته إذًا داحضة؛ إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه.

5 -أنه يترتب على الاحتجاج بالقدر على الذنوب: تعطيلُ الشرائع والحساب والمعاد والثواب والعقاب.

6 -لو كان القدر حجة لأهل المعاصي، لاحتَجَّ به أهل النار إذا عاينوها، وظنوا أنهم مواقعوها، كذلك إذا دخولها وبدأ توبيخهم وتقريعهم، لكن الواقع أنهم لم يحتجوا به، بل إنهم يقولون كما قال الله عز وجل عنهم: {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} [إبراهيم: 44] ، ويقولون: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} [المؤمنون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت