الأنواء، فكان هذا كاللعن للفاعل، ولا فاعل لكل شيء إلا الله تعالى، خالق كلِّ شيءٍ وفِعلِه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك"؛ اهـ. بتصرف."
ويقول الإمام النووي - رحمه الله تعالى - في"شرحه على صحيح مسلم" (8/ 5) :
"وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر ) )؛ أي: لا تسبوا فاعل النوازل؛ فإنكم إذا سببتم فاعلها، وقع السب على الله تعالى؛ لأنه هو فاعلها ومنزلها، أما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له، بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى، ومعنى:"فإن الله هو الدهر"؛ أي: فاعل النوازل والحوادث، وخالق الكائنات، والله أعلم".
ويقول الخطابي - رحمه الله تعالى:"ومعنى الحديث: (( يؤذيني ابن آدم؛ يسبُّ الدهر، وأنا الدهر ) )؛ أي: أنا صاحب الدهر، ومدبر الأمور التي ينسبونها إلى الدهر؛ فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور، عاد سبُّه إلى ربه الذي هو فاعلها، وإنما الدهر زمان جُعِل ظرفًا لمواقع الأمور، وكانت عادةُ العرب إذا أصابهم مكروه أضافوه إلى الدهر، فقالوا: بؤسًا للدهر، وتبًّا للدهر"؛ اهـ.
فعلى الإنسان ألا يلقي التبعة واللوم على الدهر والزمان الذي لا يملك من أمره شيئًا، ولله در الشافعي حيث قال - رحمه الله تعالى:
نعيبُ زماننا والعيب فينا = وما لزماننا عيبٌ سوانا
وقد نهجو الزمانَ بغير جُرم = ولو نطق الزمان بنا هجانا
وذلك إذا دخل رجل البيت فانقطع التيار، أو رآه في الصباح ثم حدث له حادث في ذلك اليوم، فيقول مثل هذا الكلام، وهذا من التشاؤم، ويسمى في الشرع بالطِّيَرة، وقد نهى النبي عن ذلك، بل كان يحب الفأل الحسن؛ فقد أخرج البخاري: أن الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا طِيَرة، وخيرها الفأل ) )، قالوا: وما الفأل؟ قال: (( الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم ) )، وعند مسلم: (( لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة ) ).
"وكان صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن، ويكره الطيرة"؛ (رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو في صحيح الجامع: 4985) .
فمن الناس من يتشاءم عند حدوث أمر ما، أو عند رؤية شخص ما، والتشاؤم والتطاير هو اعتقاد وقوع السوء، أو حدوث المكروه عند حال معين.
يقول حافظ حكمي - رحمه الله تعالى - في"معارج القبول":"وأما الطيرة فهي ترك الإنسان حاجته، واعتقاده عدم نجاحها؛ تشاؤمًا بسماع بعض الكلمات القبيحة، وكذا التشاؤم ببعض الطيور: كالبومة ... وما شاكلها إذا صاحت،"