فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 62

السماء لا تمطر ذهبًا، لكن إن سعى جاءه الرزق، وكذلك إن سعى للسعادة كان إن شاء الله من السعداء؛ كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] .

وقال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} [الليل: 5 - 12] .

وفي"صحيح البخاري"أن الله تعالى قال: (( إذا تقرَّب إليَّ العبد شبرًا، تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا، تقربت منه باعًا، وإذا أتاني مشيًا، أتيتُه هرولة ) ).

ففي هذا الحديث تجد أن العبد يسعى ويتقرب إلى رب العالمين ليكون من أهل السعادة.

(73)إن الله لم يكتب لي الهداية، وآخر يقول: إن الله يهدي من يشاء:

فهناك من الناس من تدعوه إلى التوبة، فيحتج بمثل هذا الكلام، وقد سئل الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - كما في"المناهي اللفظية" (ص 96 - 97) :

ماذا تقول لمن ندعوه إلى التوبة والرجوع إلى الله فيقول:"إن الله لم يكتب لي الهداية"، والثاني يقول:"إن الله يهدي من يشاء"؟ فأجاب - رحمه الله تعالى:

أما الأول فإنه يقول:"إن الله لم يكتب لي الهداية"، وبكل بساطة نقول له: أطَّلعت الغيب أم اتخذت عند الله عهدًا؟ فإن قال: نعم، فنقول: إذًا كَفرت؛ لأنك ادعيت علم الغيب، وإن قال: لا، فنقول: غُلِبْتَ، إذا كنت لم تطلع أن الله لم يكتب لك الهداية، فاهتدِ؛ فاللهُ ما منعك من الهداية، بل دعاك إليها، ورغبك فيها، وحذرك من الضلالة، ونهاك عنها، ولم يشأِ الله عز وجل أن يدع عباده على ضلالة أبدًا؛ قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء: 26] .

فتُبْ إلى الله، والله عز وجل أشد فرحًا بتوبتك من رجل أضل راحلته، وعليها طعامه وشرابه، وآيس منها، ونام تحت شجرة ينتظر الموت، فاستيقظ فإذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة، فأخذ بخطام الناقة، وقال:"اللهم أنت عبدي وأنا ربك"أخطأ من شدة الفرح، فكان يريد أن يقول:"اللهم أنت ربي وأنا عبدك".

وأما الثاني الذي يقول:"إن الله يهدي من يشاء"، فإذا كان الله يهدي من يشاء، فهذه حجة عليك، فاهتدِ حتى تكون ممن شاء الله هدايته، والحقيقة أن هذا الجواب من العاصي هو لدفع الحجة بالنسبة لنا، ولن ينفعه ذلك عند الله؛ لأن الله عز وجل يقول:

{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت