فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 149

المبحث الخامس: الفضاء الديداكتيكي

لايمكن للعملية الديداكتيكية أو للعملية التعليمية-التعلمية أن تحقق نجاحها المرجو إلا بتدبير الفضاء الدراسي بشكل محكم وجيد، بالتحكم في أمكنته وأركانه وجدرانه وأثاثه ومقاعده وصفوفه، وتقسيمه تقسيما جيدا يراعي المستويات الدراسية، ويتواقف مع أسس السيكولوجيا النمائية والوجدانية والحسية-الحركية.

وللإشارة، فقد كان الفضاء الدراسي في المدرسة التقليدية فضاء عدوانيا مغلقا رتيبا، يتحكم فيه المدرس بشخصيته الكاريزمية المتسلطة والمهيبة، حيث يمتلك معرفة مطلقة ينبغي أن يستفيد منها المتعلم، مهما كانت طريقة التدريس شائنة. وقد كان المتعلم مجرد متلق سلبي، لا يشارك في بناء الدرس، بل يكتفي بالسمع والتدوين والحفظ والتحشية. وكان الفضاء الدراسي غير منظم ولا مرتب، بل كان فضاء ضيقا فارغا، أو مؤثثا بالحصائر أو الزرابي المعدودة، يجلس عليها المتعلمون في وضعيات غير مناسبة وغير صالحة للتعلم والدراسة. وكان هذا الفضاء موبوءا بالعنف والقهر والصرامة، تختفي فيه الحوارية والمبادرة والنقد والنقاش، وتغيب فيه الحياة السعيدة والروح الديمقراطية.

وإذا انتقلنا أيضا إلى المدرسة الغربية الكلاسيكية، فقد كان الفصل الدراسي بمثابة مقاعد أو كراس دراسية مصطفة، تتوجه نحو السبورة المعلقة في وسط الجدار الأمامي. لكن هذا الفضاء الدراسي بدوره كان فضاء رتيبا عمودي الطابع. بمعنى أن المدرس كان مالك المعرفة المطلقة، يوزعها على التلاميذ في اتجاه عمودي من الأعلى نحو الأسفل. وعليه، فقد كان الفضاء الدراسي الكلاسيكي فضاء صفيا عموديا، تصطف فيه المقاعد إما بشكل فردي، وإما بشكل ثنائي، وإما بشكل متعدد.

لكن المدرسة الحديثة التي أخذت بالطرائق البيداغوجية الفعالة كسرت هذا الفضاء العمودي الرتيب المغلق، فانفتحت على أفضية حميمة، كفضاء الساحة، وفضاء الحديقة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت