لكن قال ابن هشام: وممن استشهد يوم مؤتة فيما ذكره ابن شهاب الزهري: أبو كليب وجابر ابنا عمرو بن زيد المازنيان وهما شقيقان لأب وأم، وعمرو وعامر ابنا سعد بن الحارث فهؤلاء أربعة من الأنصار أيضًا فالمجموع على القولين اثنا عشر رجلًا. وقد قتل من المشركين خلق كثير؛ هذا خالد وحده يقول: لقد اندقت في يدي يومئذ تسعة أسياف، وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية.
فلولا صبر خالد في المعارك هل يستطيع أن يحقق كل هذه المنجزات؟ ولولا الصبر، هل يستطيع ثلاثة آلاف أن يكتسحوا مئتي ألف هذا الاكتساح الساحق؟ إن طفلًا مسلمًا يستطيع بالصوم أن يصبر على الطعام والشراب ما لم يستطعه نابليون بونابرت؛ فلما زاد وزنه بالسمنة نصحه طبيبه بالحمية، فازداد سمنة، وبعد أن رصد خطاه، علم أن القائد العظيم كان يتسلل إلى عشيقته ويتناول معها الكاتو.
أي تربية عملية، هذه التي يربي بها الإسلام أتباعه! وأي انتصارات تلك التي حققها أولئك الأبطال في شهر الصيام، شهر البطولات والفتوحات، بدءًا من بدر وانتهاء بفتح مكة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وما أكثر المعارك والانتصارات في شهر رمضان في رايات الظفر لدى سلفنا الصالح. فالنصر معقود بالصبر، في المعارك وفي الحياة النصر، إن الله مع الصابرين، ينصرهم على أعدائهم وينصرهم على أنفسهم، وينصرهم على شياطين الجن والإنس.