خطئهم، فالرجل العظيم حقًا، كلما حلق في آفاق الكمال اتسع صدره وامتد حلمه، وعذر الناس من أنفسهم، والتمس المبررات لأغلاطهم، فإذا عدا عليه غيره يريد تجريحه، نظر إليه من قمته كما ينظر الفيلسوف إلى صبيان يعبثون في الطريق، وقد يرمونه بالأحجار) [1] .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة المثلى لكل فضائل الأخلاق ومنها الحلم حتى على أعدائه.
(كان محمد صلى الله عليه وسلم يواجه من أعدائه بأساليب موغلة في الاستفزاز والأذى قد تخرج الإنسان عن طوره، ولكنه مع ذلك كان مثالًا للحلم والصبر.
ولم يكن حلم محمد صلى الله عليه وسلم مقتصرًا على أعدائه، بل يسع أتباعه من باب أولى. وهم جمهور واسع وفيهم من الأعراب من يكون طبعه الجفاء والغلظة فيتصرف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يليق، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك ثم أمر له بعطاء) [2] .
يغضب ولكنه يحلم:
والحلم عند محمد صلى الله عليه وسلم ليس مصدره أنه لا يغضب مطلقًا، فهو بشر، يغضب حين يكون الموقف يثير الغضب، لكن حلمه كان تحجزه عن أن يستجيب لداعي الغضب، فعن عبد الله قال: لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم أناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مئة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، فآثرهم يومئذ في القسمة فقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله. ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قال: (فمن يعدل إذا لم يعدل الله إذا لم يعدل الله ورسوله) [3]
وقد روي في بعض روايات هذا الخبر: فأخبرته ـ والكلام لعبد الله ـ فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه ثم قال
)يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من ذلك فصبر) [4]
)لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يأخذ الرجل بما قال، ولكنه صلى الله عليه وسلم
(1) الثقافة الإسلامية للحبنكه والغزالي ص 228.
(2) أخرجه البخاري.
(3) أخرجه البخاري
(4) الموسوعة الميسرة. ص 177.