"الكبرياء ردائي".
والمسلم يعرف مقدار نفسه، ويعلم علم اليقين أنه عبد لله ناصيته بيده والخلق كلهم عيال الله، فإذا تكبر لقوة في بدنه فإن بعوضة ترديه، وقد أهلكت النمرود، وإذا تكبر لمال فإن قارون كان أغنى منه فخسف الله به وبداره الأرض، وما تكبر عبد؛ إلا نقص من عقله بمقدار ما تكبر به على الناس.
ولم يذكر القرآن لفظة (التواضع) إنما صورها بهذه الصورة البلاغية المعجزة فقال: (اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) الشعراء: 215
وقال جل من قائل: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا) .
اخفض جناحك. أرأيت إلى الطائر الذي يرفرف بجناحيه عندما يقترب من عشه، وفيه فراخه الجائعة وقد اقترب الأب ومعه الطعام والشراب لفراخه، كيف يخفض جناحه حبًا ورحمة وحنانًا؟
والصورة الثانية"واخفض لهما جناح الذل من الرحمة"لا نريد أن نحللها تحليلًا بلاغيًا، فليس هنا مجال البلاغة المتخصصة فنقول: استعارة مرشحة. . . وإنما نتذوق هنا الصورة الجمالية بعد استحضار هيئة الطير الحنون الذي يشفق على من يحب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا يعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه".
(وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: وجدنا الكرم في التقوى، والغنى في اليقين، والشرف في التواضع.
وقال عروة: أشد العلماء تواضعًا أكثرهم علمًا، ومن الأمثال قولهم: كلما ارتفع الشريف تواضع، وكلما ارتفع الوضيع تكبر) [1]
ورسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المتواضعين، فالمعروف أن القادة المنتصرين في المعارك، والفاتحين الذين يدخلون المدن المفتوحة كانوا يشمخون بأنوفهم نحو السماء بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة فاتحًا قد أحنى رأسه حتى إن لحيته الشريفة لتمس رحل ناقته وكان رحلًا رثًا زيادة في تواضعه صلى الله عليه وسلم، فأين عظمة العظماء من عظمة محمد × في تواضعه في كل شأن من شؤون حياته؟
(1) الموسوعة الجامعة في الأخلاق والآداب مسعود بن عبد الله الحزيمي ف 408