فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 146

النفس) [1]

والإنسان قد يتكلم في نفسه كلامًا في أحلام اليقظة، وربما يظهر بعضه بصوت مسموع، أو يبقى داخل النفس والشعراء يتكلمون في أنفسهم كلامًا داخليًا، ثم يظهر على شكل قصيدة أو خطبة. . . وهذا المعنى في القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر وكلام العرب.

قال الله تعالى: (( ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها ) )المجادلة: 8 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق) . والحديث النفسي لا يحتاج إلى دليل عليه.

قال الشاعر الأخطل:

لا يعجبنَّك من خطيب خطبة

حتى يكون مع الكلام أصيلا

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما

جُعل اللسان على الفؤاد دليلا

ولما اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه للقائهم، وقد تقدمه أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول عمر: كنت زورت في نفسي مقالًا - لأقوله للأنصار - فسبقني إلى القول أبو بكر، فما ترك معنى زورته في نفسه إلا قاله وأحسن منه) [2] . ومن منا لا يحدث نفسه بأمر من الأمور؟ فالكلام أصلًا في القلب لا في اللسان.

فالنفس منبع الدوافع للأقوال والأفعال، والخلُق في النفس يستند إلى العقيدة، فكلما كانت العقيدة في النفس أقوى كانت الأخلاق أقوى، وكلما كانت الأخلاق في النفس أقوى كانت الأفعال الخيرة في المجتمع أقوى. ولأوضح هذه النقطة.

إذا رأى مسلم فقيرًا أثر فيه الجوع فشحب لونه وظهر البؤس على ملامحه، فإن نفس من يرى هذا الفقير تنفعل وجدانيًا بدافع الرحمة النابعة من العقيدة، وتتوقف درجة هذا الانفعال؛ قوة أو ضعفًا على درجة تمكن العقيدة في نفس صاحبها، وكلما كان تمكن العقيدة أكثر كان الانفعال أكبر، هذا الانفعال الداخلي سيعبر عن نفسه، لا يكتفي أن يكون مجرد إحساس بالرحمة على الفقير أو الشفقة على حاله، بل سيكون هذا الانفعال دافعًا لصاحبه بأن يترجم هذا الشعور إلى (فعل) فيمد الرجل يده إلى جيبه ويدفع إلى الفقير مبلغًا من المال على قدر حاجة الفقير وعلى قدر استطاعة الرجل، إن كرم الرجل وهو

(1) أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني بتحقيق هـ. ريتر ط 2 ص 1.

(2) انظر سيرة ابن هشام: حديث السقيفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت