الفصل الثاني
المفاوضة والعنان في شركات الأموال
وما يتعلق بها من أحكام
المبحث الأول
مشروعية شركة الأموال بنوعيها
أما شركة العنان فهي جائزة بالإجماع. وقد سبق لنا بيان أدلة المشروعية عند الكلام عن عقد الشركة اجمالا. ويضاف إلى ذلك دليل من المعقول وهو أن العقود إنما شرعت لمصلحة العباد، وحاجتهم إلى استنماء المال متحققة. وهذا النوع طريق صالح للاستنماء فكان مشروعا. ولأنه يشتمل على الوكالة والوكالة جائزة بالإجماع.
وأما شركة المفاوضة، فقد حصل اخلاف بين الفقهاء في مشروعيتها:
فقد نقل عن الإمام مالك أنه قال: لا أعرف ما المفاوضة. وأبطل الشافعية هذا النوع منالشركات. [1] ، لأن الكفالة في المفاوضة بمجهول، والكفالة بالمجهول غير جائزة حال الانفراد فكذا في حال اجتماعها مع الشركة.
والرد على الإمام مالك في قوله السابق يكون بواحد من أمرين:
الأمر الأول: أنه إن أراد بعدم المعرفة المعنى اللغوي، فقد بينا معناها سابقًا وأنها تنبئ عن المساواة.
والأمر الثاني: أنه إن عني بعدم المعرفة. الجواز من عدمه، فقد عرفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الجواز بقوله صلى الله عليه وسلم: «تفاوضوا فإنه أعظم للبركة» [2] .
وقوله: «إذا فاوضتم فأحسنوا المفاوضة» [3] وروى ابن ماجة في سننه في كتاب التجارات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمفاوضة، واختلاط البر بالشعير للبيت لا للبيع، وأيضا عرفنا الجواز بالعقل، لأنها مشتملة على أمرين جائزين» وأيضًا عرفنا الجواز بالعقل، لأنها مشتملة على أمرين جائزين، وهما الوكالة والكفالة، فلما جاز كل منهما بانفراده جاز في حالة الاجتماع.
وأما الشافعي فيرد عليه، بأنه وإن كان المكفول له مجهولا في عقد الشركة، لكن هذا النوع من الجهالة معفو عنه هنا وإن لم يعف عنه منفردا. كما في شركة العنان، فإنها تشتمل على الوكالة العامة وإن كان هذا التوكيل لا يصح حالة الانفراد وكذا المضاربة تتضمن وكالة عامة وهي صحيحة وإن كانت لا
(1) عمدة السالك ص 254.
(2) هذا الحديث مروي في كتاب فقه الحنفية وأنكره خصومهم.
(3) قال صاحب البناية: «عريب» البناية 6/ 81.