فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 120

المبحث الثاني

أنواع الكفالة

الكفالة على ضربين: كفالة بالمال، وكفالة بالنفس، فأما الأولى فلا خلاف فيها. وأما الثانية ففيها خلاف الشافعي - رحمه الله -، حيث إن مذهبه أن الكفالة بالنفس غير جائزة، لأن الكفيل فغير قادر على تسليم المكفول له، فكانت الكفالة مضافة على غير محلها فلم تجز، لأن التصرف المضاف إلى غير محله باطل [1] .

ولنا قول الله تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [2] وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يوجد ما يغيره. وأيضا فقد أجمعت الأمة على جواز الكفالة بالنفس من لدن الصدر الأول إلى زمن الشافعي ولم يعرف له خلاف فكان إجماعا. والخروج عن الإجماع باطل [3] .

وإذا جازت الكفالة بالنفس عندنا فالمكفول بها احضار المكفول به. فإن شرط في الكفالة بالنفس تسليم المكفول به فيوقت معين لزمه احضاره إذا طالبه الطالب به في ذلك الوقت وفاء بما التزمه، فإن لم يحضره حبسه الحاكم، لامتناعه عن الوفاء بحق مستحق عليه فيصير ظالما والحبس جزاؤه، ولكن يمهل في أول مرة لأن ظلمه لا يعرف لأول وهلة، فلعله ما درى سبب استدعائه. ولو كان المكفول بنفسه غائبا وعلم مكانه أمهل القاضي الكفيل مدة ذهابه ومجيئه. فإن لم يعلم مكانه سقطت المطالبة لعجزه، وكذلك تسقط المطالبة بموت المكفول به ويبرأ الكفيل بالنفس عن الكفالة لعجزه عن احضاره. وأيضا فإنه بالموت سقط الحضور عن الأصيل فكذلك عن الكفيل. وتسقط الكفالة بالنفس أيضا بموت الكفيل، لأن براءة المكفول بنفسه، ومال الكفيل لاي صح لايفاء هذا الواجب وهو الاحضار وتسليم المكفول به. وبناء على ذلك فلا يؤدي ما على المكفول به من تركة الكفيل إن كان عليه مال، لأنه لم يلتزم بإيفاء المال، وإنما بتسليم النفس، والمال لا يصلح وفاء لذلك. وهذا بخلاف الكفيل بالمال إذا مات حيث يؤدي ما على المكفول به من تركته لأن المال والكفيل صالح لأداء هذا الواجب، فإذا مات الكفيل بقي ماله. ويرجع ورثة الكفيل في هذه الحالة على المكفول عنه إذا كانت بأمره في حال الحياة. ولو كان الدين مؤجلا ومات الكفيل بل الأجل يؤخذ من تركته حالا، وليس من حق ورثته الرجوع على الأصيل إلا بعد حلول الأجل. وعن زفر أن للورثة مطالبة المكفول عنه حالا، لأنه أدخله في ذلك مع علمه أنه يحل بموته، والجواب عليه أنه دين مؤجل فلا يجوز قبل الأجل.

ولو مات المكفول له فللوصي أن يطالب الكفيل لقيامه مقام الماكفول به، وكذا لوارثه أن يطالب بذلك لأنه يشترك مع الأصيل في قيامه مقام المقيت [4] .

(1) المرجع السابق 8/ 6، مجمع الأنهر 2/ 124.

(2) سورة يوسف من الآية 72.

(3) بدائع الصنائع 6/ 8

(4) البناية 6/ 732.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت