بعد أن استعرضنا أدلة الجمهور وأدلة المخالفين، فقد تبين لنا أن الرأي الراجح في ذلك هو رأي الجمهور، لقوة أدلتهم ورجاحتها على ما استدل به ابن عباس ومن وافقه، هذا إضافة على أن هذا الرأي هو الذي يتفق مع روح التشريع في التشديد في منع التعامل الربوي أيا كان نوعه.
ومما يؤيد ما ذهبنا اليه أن ابن عباس، وهو أكثر من ينسب اليه القول بإباحة ربا الفضل قد نقل عنه أنه رجع عن رأيه كما ذكرنا آنفا، وكذلك نقل عن غيره من الصحابة والتابعين ممن قالوا بإباحة ربا الفضل القول بالرجوع، وقد ذكرنا في ذلك ما يغني والله أعلم.
اتفق الفقهاء قاطبة على تحريم الربا بنوعيه في الاصناف الستة التي ورد بها الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو التي ذكرت في حديث عبادة بن الصامت الذي سبق ذكره، وفي غيره من الأحاديث التي رواها غيره، ولكنهم اختلفوا فيما عدا ذلك من الأجناس، أيتعدى الحكم اليها أم لا؟.
1 -فذهب ن .. القياس وهم الظاهرية وممن معهم إلى أن الربا لا يقع في غير هذه الاصناف الستة، تمسكا بالنص ونفيا للقياس [1] وعلى ذلك فقد قالوا إن ما عدا الأصناف الستة يبقى على أصله وهو الاباحة، بقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} وهؤلاء يرد عليهم بإثبات أن القياس حجة، وهذا موضعه أصول الفقه كما يرد عليهم بظاهر الأدلة التالية [2] .
قول الله تعالى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} والربا اسم للزيادة والفضل من طريق اللغة والشرع.
أما اللغة: فقولهم قد ربا السويق [3] اذا زاد، وقد أربى علي في الكلام إذا زاد في السب، وهذه ربوة من الأرض إذا زادت على ما جاورها.
أما الشرع: فقوله تعالى {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [4] أي يضاعفها ويزيد فيها. وقوله: {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [5] أي زادت ونمت، واذا كان الربا على ما ذكرنا اسم للزيادة لغة وشرعا فقد دل عموم الآية التي استدلوا بها على تحريم الفضل والزيادة إلا ما خص بدليل.
2 -وأيضا فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل» [6] والطعام اسم لكل مطعوم من بر وغيره في اللغة والشرع.
(1) المحلى 9/ 503.
(2) الحاوي للماوردي صـ 147، 4/ 5.
(3) قيل بالصاد أيضا، والحمج أسوقة، وهو ما يتخذ من الحنطة، والشعير، تاج العروس 6/ 388، لسان العرب 12/ 36.
(4) سورة البقرة آية 276.
(5) سورة الحج آية 5.
(6) رواه مسلم والبيهقي.