والأصل فيه أن كل من كان له ولاية البيع فله ولاية القسمة، ومن لا فلا. ولهؤلاء ولاية البيع فكانت لهم ولاية القسمة.
وأما شروط النوع الثاي الذي هو من شروط الاستحباب فمن شرائطه ما يأتي:
1 -أن يكون القاسم عدلا أمينا عالما بالقسمة، لأنه لو كان خائنا غير عدل، أو جاهلا بأمور القسمة لا يجوز. لأن الأول يخاف منه الجور في القسمة. والجاهل يخاف منه ذلك أيضا، لأن القدرة تعتمد على العلم بها.
2 -أن يكون منصوبا من جهة القاضي؛ لأن قسمة غيره لا تنفذ على الصغير وعلى الغائب، والأفضل أن يزرقه من بيت المال ليقسم بين الناس من غير أجر عليهم لأن ذلك أرفق بالمسلمين. ولأن القسمة من جنس عمل القضاء من حيث أنه يتم به قطع المنازعة فأشبه رزق القاضي من جهة أن منفعة نصب القاسم تعم العامة، فتكون كفايته من مالهم، أي في بيت مال المسلمين، من أجل أن الغرم بمقابل الغنم، فإن لم ينصب القاضي قاسما يرزقه من بيت المال نصب قاسما بأجر على المتقاسمين، لن النفع لهم على الخصوص فكان الأجر عليهم. وفي هذه الحالة يقدر له القاضي أجر مثله كيلا يحكم بزيادة الأجر على قدر العمل. ولئلا يطمع في أموالهم ويتحم في الزيادة.
وليس من حق الحاكم أن يجير الناس على استئجار قاسم معين، لأنه لا جبر على المعقود [1] لأن الحق لهم، فإذا رضوا بمن يتولى حقهم جاز كما في سائر الحقو، وعلى الحاكم أن يعين جماعة من القسام حتى لا يتحكم الواحد في الزيادة، ولكنهم لا يشتركون جميعا في القسمة حتى لا تصير الأجرة غالبة بتواكلهم. وعند عدم الشركة يتبادر كل منهم إليه خوف الفت، فيرخص الأجر بسبب ذلك.
ويصح للشركاء أن يصطلحوا فيقتسموا المال المشترك دون الرجوع إلى القاضي، لأن كلا منهم له ولاته على نفسه، وفي القسمة معنى المعاوضة فتنم بالتراضي [2] .
وإن كان في الشركاء صبي قسم عليه وليه أو وصيه كالبيع وسار التصرفات ولي من لا ولي له. وكذا الأمر في المجنون والغائب [3] .
4 -المبالغة في تعديل الأنصباء والتسوية بين السهام بأقصى الإمكان، لئلا يدخل قصور في سهم، وينبغي ألا يدع حقا بين الشريكين إلا ويقسمه إلا إذا لم يمكن، وألا يضم نصيب أحد الشريكين إلى الآخر إلا إذا رضوا بذلك، لاحتياجهما إلى القسمة ثانية.
(1) ويقسم أجر المثل على عدد الرؤوس للمتقاسمين عند الإمام، لأن تمييز الأقل من الأكثر لتمييز الأكث رمن الأقل في المسقة. وعندهما على قدر السهام، لأنه مؤنة الملك فيقدر بقدره. وبه قال الشافعي وأحمد وأصبغ من المالكية. مجمع الأنهر 2/ 489.
(2) المرجع السابق، البناية 8/ 613.
(3) البناية 8/ 614.