ولكنا قد وجدنا أن هذا الحديث قد عضدته أحاديث أخرى دلت على حل الربا والقمار في دار الحرب، هذا إضافة إلى أن منزلة الامام أبي حنيفة لا تقتضي أن ينسب إلى مكحول ما لم يتأكد ويستوثق من قوله إياه.
وما انتهينا إليه من التفريق بين الحالتين السابقتين هو ما التزم به أصحاب أبي حنيفة في مجالسهم نظرا إلى علة الاباحة. [1]
قال الطحاوي في كتابه مشكل الاثار.
أو مما يدل على أن حكم الربا بين المسلمين وبين أهل الحرب في دار الحرب بخلاف حكم الربا بينهم في دار الاسلام، أنه لا يخلو ربا العباس الذي أدركه وضع النبي صلى الله عليه وسلم وربا الجاهلية من أحد وجهين: -
إما أن يكون أصله كان قبل تحريم الربا ثم طرأ عليه تحريم الربا أو كان في حال تحريم الربا، فان عني بذلك التحريم في هذين الوجهين في دار الهجرة وفي دار الحرب فانه يجب أن يبطل في أي الاماكن كان من دار الحرب ومن دار الاسلام وان كان يعد تحريم الربا فهو أبطل، فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته بما قد دل أنه كان قائما حتى وضعه، دل ذلك أنه قبل وضعه اياه انما كان الربا فيه خلاف الربا في دار الهجرة، لانه لو كان في دار الهجرة ما كان قائما في حال من الاحوال بحد تحريم الربا، لانه إن كان أصله في حال تحريمه كان غير ثابت، وان كان قبل تحريمه طرأ عليه تحريمه ووضعه.
فان شبه على أحد بما كان من أمر العباس من أسر المسلمين إياه، ومن أخذ الفداء منه محققا بذلك أنه لم يكن بمكة مسلما حين جرى عليه ما جرى من السر.
قلنا: إنما فدى في غزوة بدر، ورجع .... سواء من الأسر إلى مكة عن رسمهم الذي أسروا عليه، وكانت بدر في سنة أربع من الهجرة، وقد حكى محمد بن اسحاق في مغازيه: أن العباس قد كان اعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما امره أن يفدي نفسه بأنه كان مسلما، وأنه اما خرج إلى قتاله كرها وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أما ظاهر أمرك فقد كان علينا فاقد نفسك، حدثنا بذلك فهد بن سليمان قال: أنا يوسب بن بهلول قال: حدثنا عبد الله بن ادريس عن محمد بن اسحاق ولم يتجاوز به، وبقي العباس بعد ذلك بمكة، فان يكن ما ذكره ابن اسحاق كما ذكره فقد تقدم اسلامه بدرا، وان يكن بخلاف ذلك كان ما ذكره أنس ابن مالك في حديث الحجاج بن غلاط يوجب له الاسلام وذلك عند فتح خيبر، وكلا القولين يوجب اقامته بمكة مسلما وهي دار الحرب وفي ذلك ما يوجب أنه كان بمكة مسلما ر ... ربا قائم، والربا يحرم بين المسلمين في دار الهجرة. [2]
(1) شرح فتح القدير 5/ 301.
(2) مشكل الاثار للطحاوي 4/ 245: 246.