فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 100

الفصل الثالث: الحِكمة من مشروعية الصيام

شرع الله تعالى صيام شهر رمضان لحِكمة عظيمة، هي: تحقيق التقوى؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] ، وتقوى الله - تعالى - تكون باتِّباع شرعه وعبادته وطاعته بفعل ما أمر به وترك ما نَهى عنه؛ وذلك أن الصيام تربية على ترك بعض المُباحات فترة محدَّدة استجابة لأمر الله - تعالى - فإذا استجاب المسلم لترك ما هو مُباح في الأصل، فلَأَنْ يمتنع عما حرَّمه الله - تعالى - في كل وقت وحينٍ أَولى.

فالصيام مدرسة يتربى فيها المسلم على طاعة الله - تعالى - فمن لم يتربَّ في هذه المدرسة فهو كالطالب يدخل المدرسة ويخرج منها ولم يتعلَّم القراءة والكتابة، فلا بد أن يتميَّز المسلم في صيامه بتقوى الله - جل وعلا - فيترك ما اعتاده من التقصير في الواجبات؛ مثل: ترْك صلاةِ الفجر، وترك الصلاة مع الجماعة، كما أنه يَحرِص على ترْك ما اعتاده من المنكرات، مثل: عقوق الوالدين، وشرب الدُّخَان، وحَلقِ اللحية، ومتابعة الأفلام الهابطة، والقنوات الفاسدة، ومُشاهَدة صور النساء بأي طريق، وليعزم على التوبة، والاستمرار على ما اكتسبه في رمضان من عمل الصالِحات وترك المُنكَرات.

ثبَت في صحيح البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( مَن لم يدَعْ قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يدَع طعامه وشرابه ) ) [1] ، وهذا الحديث أصل عظيم في بيان الحكمة من مشروعية الصيام؛ فقد بيَّن فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله - تعالى - لم يشرَع الصيام لأجل الامتناع عن الطعام والشراب ونحوهما من المباحات في الأصل، وإنما شرَع الصيام لحكمة عظيمة هي في حقيقتها ما ذكره الله - تعالى - في كتابه الكريم وهي تقوى الله - جل وعلا - فـ: (( قول الزور ) ): الكذب وقول الباطل، (( والعمل به ) ): يعني العمل بالباطل، (( والجهل ) ): السَّفه، سواء أكان سفهًا على النفس أو على الآخَرين.

ويدخل في الجَهْل جميع المعاصي؛ لأنها من الجهل بالله وعظيم قدرِه وشرعِه، كما قال تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ

(1) رواه البخاري في كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30] (5: 2251) (5710) ، وفي كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمَل به في الصوم (1804) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت