ورمضان كغيره من الأوقات، بل هو أولى بالتوبة وتجديدها؛ لأنه زمن فاضل، فالأعمال الصالِحة فيه أفضل من غيره، والتوبة من أفضل الأعمال الصالِحة.
وقد قسَّم الله - تعالى - الناس إلى قسمين لا ثالث لهما، فقال - تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11] ، قال الإمام ابن القيم - رحمه الله: قسم العِباد إلى تائب وظالم، وما ثم قسم ثالث البتة، وأوقَع اسم الظالم على من لم يَتب، ولا أظلَم منه لجَهلِه بربه وبحقِّه وبعيب نفسه وآفات أعماله؛ اهـ [1] ، وقال الإمام النووي - رحمه الله تعالى: واتَّفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة، وأنها واجبة على الفور، ولا يَجوز تأخيرها، سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة؛ اهـ [2] .
فالواجب علينا أن نُبادِر في أيام الإقبال على الله - تعالى - ونُقلع إقلاعًا عامًّا عن جميع الذنوب، فهذه فرصة العمر وما يدرينا لعلها لا تتكرَّر مرةً أخرى، فالتوبة التوبة يا عباد الله، والأوبة الأوبة إلى الله في هذا الشهر الكريم الذي تُقبِل فيه النفوس على الله - تعالى.
وفي اجتماع هذه الأسباب الكثيرة للتقوى في رمضان لا يكون للمسلم عذر في مُجانَبة التقوى وترك أسبابها، وهي لا تتهيَّأ له في غير هذا الشهر كما تهيأت فيه، فلا يَنبغي أن يكون المسلم عاجزًا عن تَحصيل التقوى بعد أن هيَّأ الله أسبابها الكونية والشرعية.
وفي إقبال أكثر الناس على الطاعة في هذا الشهر تحقيق لإعجاز تشريعي عظيم يَتجلَّى لنا بتحقُّق التقوى في هذا الشهر لكثير من الناس مما لم يكن مُتحقِّقًا في غيره من الشهور.
الصيام مدرسة يتربَّى فيها المسلم على تقوى الله - تعالى - والتقوى تتضمَّن حسن التعامل مع الآخَرين، وذلك بسلوك الأخلاق الحسنة التي دعا إليها الإسلام، وتجنُّب الأخلاق المذمومة التي حذَّر منها الإسلام، فلا بدَّ أن يظهر أثرُ الصيام في ذلك على صاحبِه، وهذا ما أرشد إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( وإذا كان يومُ صومِ أحدكم فلا يرفث ولا يصخَب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم ) )؛ متفق عليه [3] .
(1) مدارج السالكين 1: 178.
(2) شرح صحيح مسلم 17: 59، أول كتاب التوبة.
(3) رواه البخاري في كتاب الصوم، باب هل يقول إني صائم إذا شُتم، 2: 673 (1805) ، ومسلم في كتاب الصيام، باب فضل الصيام، 2: 806 (1151) .