قلوبنا وتنشرح به صدورنا، ولقد تعوَّدنا في رمضان على صلاة الليل وصلاة الوتر، فلا يَنبغي أن ندعها بل يَنبغي لنا أن نحافظ عليها دائمًا؛ فإنها لا تختص برمضان فنصليها ولو ركعة أو ثلاث ركعات ولا نتركها، فإنَّ أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلَّ، وهكذا جميع الأعمال من الصدقة والذِّكر وغيرهما.
سر محبة الله - تعالى - للمداومة على الأعمال الصالحة تتلخَّص في أمور، منها ما يلي:
أولًا: أن العمل الصالح يُحبه الله - تعالى - فلذلك يجب المداوَمة عليه، وفي الحديث القدسي أن الله - تعالى - قال: (( وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه ) )؛ رواه البخاري [1] .
ثانيًا: أن المداومة على العمل الصالح دليل الرغبة فيه ومحبته وعدم كراهيته، وهذا مما يحبه الله - تعالى - بخلاف تركه والتجافي عنه؛ فهي مُشعِرة بالتكاسُل عنه واستثقاله، كما أخبر الله - تعالى - عن المنافقين بقوله: {وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 54] ، وقال عنهم: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142] .
ثالثًا: أنه يشعر بقوة الإيمان وصدقِه بخلاف الذي ينقطع عن العمل ويَتركه؛ ولهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ) )؛ رواه أحمد وابن ماجه [2] .
رابعًا: أن الأصل فيما أمر الله به أن يفعل على الدوام ويُحافظ عليه؛ ففي المحافظة تطبيق للأوامر وعمل بالنصوص وتعظيم لها وتعظيم لشريعة الله؛ قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] ، {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] .
(1) جزء من حديث رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب التواضع 5: 2384 (6137) .
(2) رواه أحمد بن حنبل 5: 276، وابن ماجه 1: 101 (277) ، والدارمي 1: 174 (655) ، وصححه ابن حبان 3: 311 (1037) ، وقال الحاكم في المستدرك على الصحيحين 1: 221: صحيح على شرط الشيخين، وقال العقيلي في الضعفاء 4: 168: إسناده ثابت عن ثوبان، وقال المنذري (الترغيب والترهيب 1: 97) : رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، وقال ابن عبدالهادي (تنقيح تحقيق أحاديث التعليق 3: 142) : هو حديث صحيح، وقال الحافظ (فتح الباري 4: 108) : الحديث صحيح: وصحَّحه الألباني في إرواء الغليل 2: 135 (412) وصحيح الجامع (952) .