النبي - صلى الله عليه وسلم - قد همَّ بذلك قبل موته؛ فعن عبدالله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله: (( فإذا كان العام المُقبِل - إن شاء الله - صمْنا اليوم التاسع ) )، قال: فلم يأتِ العام المُقبل حتى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم؛ رواه مسلم [1] ، وفي لفظ له: (( لئن بقيتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسع ) )؛ فإن لم يَصُمِ التاسع معه صام الحادي عشر، وإن صام الأيام الثلاثة معًا فحسَن، والله أعلم.
النوع الرابع: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، يدلُّ لذلك حديث عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: أُخبِر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني أقول: والله لأصومنَّ النهار، ولأقومنَّ الليل ما عشتُ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( أنتَ الذي تقول: والله لأصومنَّ النهار، ولأقومنَّ الليل ما عشتُ؟ ) )، قلتُ: قد قلتُه [بأبي أنت وأمي، يا رسول الله] ، قال: (( إنك لا تَستطيع ذلك، فصمْ وأَفطِر، وقُمْ ونَمْ، وصُمْ من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسَنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر ) )؛ متفق عليه [2] .
وهذا العددُ هو أقل عددٍ ورَد الحثُّ عليه في كل شهر في الأحاديث المَشهورة [3] ، وللإنسان أن يَصوم اليوم واليومين، فهو خير على كل حال، لكن الأفضل ألا ينقص عن ثلاثة أيام من كلِّ شَهر.
ولم يُحدِّد النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبدالله بن عمرو الأيام الثلاثة التي يُشرَع صيامها من كل شهر، بل أطلَقها؛ فللمسلم أن يَصومها فيما شاء من أيام الشهر متواليةً أو مُتفرِّقةً، والأفضل في صيامها فعلُ واحِدٍ مما يلي:
أولًا: صيام أيام الليالي البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر قَمريٍّ، وهذه الصفة أفضل شيء؛ لكثرة الأحاديث الواردة في الأمر بها والحث عليها.
(1) رواه مسلم في كتاب الصيام، باب أي يوم يُصام في عاشوراء 2: 797 (1133) .
(2) رواه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا} [النساء: 163] ، 3: 1256 (3236) ، ومسلم في كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرَّر به أو فوَّت به حقًّا 2: 812 (1159) ، والزيادة بين قوسين من رواية للبخاري في كتاب الصوم، باب صوم الدهر 2: 697 (1875) .
(3) كما هو في الروايات المشهورة من حديث عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - وفي أحاديث كثيرة تَبلُغ مبلَغ التواتُر، ولكنه قد جاء في رواية لحديث ابن عمر عند مسلم 2: 817 (1159) : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: (( صم يومًا ولك أجر ما بقي ) )، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: (( صم يومين ولك أجر ما بقي ) )، فلتحرَّر هذه اللفظة، والله أعلم.