فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 89

اهتمامًا بالدراية هي الأقوال التي انتفع فيها بأقوال ومنهجية الإمام الشافعي رضي الله عنهما، ولعل هذا من أسرار تعدُّد الروايات عن الإمام، والله أعلم.

كما أن كثيرًا من فقهاء المذهب يصرحون بأن الإمام أحمد كان يأخذ بالمصالح المرسلة، وهي باب واسع إلى الفكر المقصدي، وأن كثيرًا منهم يستخدم المصلحة بمشتقاتها في اجتهاداتهم وآرائهم المخرجة على فتاوى الإمام أحمد، وذلك عند إبداء دليل الفتوى في الوقائع التي لا نص فيها [1] .

ولقد تحدَّث الشيخ عبدالله عبدالمحسن تركي عن المصلحة عند الإمام أحمد وعند فقهاء المذهب بما فيه الكفاية، وذلك في دراسته عن أصول الإمام أحمد؛ حيث نقل أقوال القدماء والمحدَثين في أخذ الحنابلة بالمصالح المرسلة [2] .

الشاهد من هذا كله أن للمصالح اعتبارًا عند الحنابلة، ولا شك أن الأخذ بالمصلحة واعتبارها مما له صلة قوية بالفكري المقصدي، ومن ذلك عند الحنابلة:

أولًا: انعقاد العقود بما يدل على مقصودها:

ومن المسائل التي يبرز فيها التقصيد الجزئي عند الحنابلة - استنادًا إلى أصول الإمام أحمد: أن العقود إنما تنعقد بأي لفظ وبأي شكل، شريطة تحقيق مقصود تلك العقود.

وفي كلام للإمام ابن القيم يوضح ذلك في إعلامه يقول:"تنازع الفقهاء في الإجارة هل تنعقد بلفظ البيع على وجهين، والتحقيق: أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت بأي لفظ من الألفاظ عرف به المتعاقدان مقصودهما، وهذا حكم شامل لجميع العقود؛ فإن الشارع لم يحد لألفاظ العقود حدًّا، بل ذكرها مطلقة، فكما تنعقد العقود بما يدل عليها من الألفاظ الفارسية والرومية والتركية، فانعقادها بما يدل عليها من الألفاظ العربية أَوْلى وأحرى".

قال:"ولا فرق بين النكاح وغيره، وهذا قول جمهور العلماء؛ كمالك وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، قال شيخنا: بل نصوص أحمد لا تدل إلا على هذا القول، وأما كونه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج فإنما هو قول ابن حامد والقاضي وأتباعه، وأما قدماء أصحاب أحمد فلم يشترط أحد منهم ذلك، وقد نص أحمد على أنه إذا قال: أعتقتُ أَمَتي وجعلت عتقها صداقَها أنه ينعقد النكاح، قال ابن عَقيل: وهذا يدل على أنه لا يختص النكاح بلفظ، وأما ابن حامد فطرد أصله وقال: لا ينعقد حتى يقول مع ذلك: تزوجتها، وأما القاضي فجعل هذا موضع استحسان خارجًا عن القياس، فجوز النكاح في هذه الصورة خاصة بدون لفظ الإنكاح والتزويج،"

(1) نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي: 468، د. حسين حامد حسان، دار النهضة العربية، 1971 م.

(2) أصول مذهب الإمام أحمد، دراسة أصولية مقارنة: 479، وما قبلها، د. عبدالله عبدالمحسن تركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1410 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت