وهو في بيان أسرار تلك العبادات يبين فوائدها وعوائدها على القلب والنفس والحواس، وأثرها في إصلاحها، وهو بيان يتناسب مع طبيعة الكتاب إذا قرأناه في سياقه التاريخي والإصلاحي.
فهو يقول في الصلاة مثلًا: إن الإنسان يعالج نفسه فيها بحالة هي التعظيم والخضوع والمناجاة .. ومن الأفعال التعظيمية: أن يقوم بين يديه مناجيًا، ويقبِل عليه مواجهًا، وأشد من ذلك أن يستشعر ذله وعزة ربه فينكس رأسه ... وأشد من ذلك أن يعفِّر وجهه الذي هو أشرف أعضائه ومجمع حواسه بين يديه [1] .
والزكاة تزيد في البركة، وتطفئ الغضب بجلبها فيضًا من الرحمة، وتدفع عذاب الآخرة المترتب على الشح، وتعطف دعوة الملأ الأعلى المصلحين في الأرض على هذا العبد [2] .
والصوم حسنة عظيمة؛ يقوِّي الملَكيَّة، ويُضعف البهيمية، ولا شيء مثله في صيقلة وجه الروح وقهر الطبيعة ... ويكفر الخطايا بقدر ما اضمحل من سَوْرة البهيمية، ويحصل به تشبُّه عظيم بالملائكة، فيحبونه، فيكون متعلق الحب أثر ضعف البهيمية ... وإذا جعل رسمًا مشهورًا نفع عن غوائل الرسوم، وإذا التزمَتْه أمةٌ من الأمم سُلسلت شياطينها، وفتحت أبواب جنانها، وغلقت أبواب النيران عنها [3] .
ويرى أن الحج طهارة نفسية، وذكر لله تعالى، ومن باب ذكر الله تعالى رؤية شعائر الله وتعظيمها، فإنها إذا رُئِيت ذكر الله، كما يذكر الملزوم اللازم، لا سيما عند التزام هيئات تعظيمية وقيود وحدود تنبه النفس تنبيهًا عظيمًا ... وكما أن الدولة تحتاج إلى عرضة بعد كل مدة؛ ليتميز الناصح من الغاش، والمنقاد من المتمرد، وليرتفع الصيت، وتعلو الكلمة، ويتعارف أهلها فيما بينهم، فكذلك الملَّة تحتاج إلى حجٍّ؛ ليتميز الموفق من المنافق، وليظهر دخول الناس في دين الله أفواجًا، وليرى بعضهم بعضًا، فيستفيد كل واحد ما ليس عنده؛ إذ الرغائب إنما تكتسب المصاحبة والترائي [4] .
أما في القسم الثاني المشار إليه قبل قليل فيتحدث فيه"عن جملة صالحة من الأحاديث المعروفة عند أهلها، السائرة بين حملة العلم، المروية في صحيحي البخاري ومسلم، وكتابي أبي داود والترمذي" [5] .
ففي الطهارة والوضوء يقول مثلًا: وروح الطهارة وجدان أصحاب النفوس التي ظهرت فيها أنوار ملَكية، فأحسن بمنافرتها للحالة التي تسمى حدثًا، وسرورها وانشراحها في الحالة التي تسمى طهارة [6] .
(1) حجة الله البالغة: 1/ 72 - 73، طبعة دار التراث، بدون تاريخ.
(2) حجة الله البالغة: 1/ 74، دار التراث.
(3) حجة الله البالغة: 1/ 74 - 75، دار التراث.
(4) حجة الله البالغة: 1/ 75 - 76، دار التراث.
(5) حجة الله البالغة: 1/ 162، دار التراث.
(6) حجة الله البالغة: 1/ 173، دار التراث.