وفي الوضوء يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( الطُّهور شطر الإيمان ) ) [1] ، أقول: المراد بالإيمان ها هنا هيئة نفسانية مركبة من نور الطهارة والإخبات، والإحسان أوضح منه في هذا المعنى، ولا شك أن الطهور شطره، قوله صلى الله عليه وسلم: (( مَن توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من أظفاره ) ) [2] ، أقول: النظافة المؤثرة في جذر النفس، تقدس النفس، وتلحقها بالملائكة، وتُنسي كثيرًا من الحالات الدنسية، فجعلت خاصيتها خاصية للوضوء الذي هو شبحها ومظنتها وعنوانها [3] .
أما في الجزء الثاني فالحديث فيه ـ غالبًا ـ عن الأسباب والأسرار التي شرع من أجلها الحكم، فمن ذلك:
ـ النظر إلى المخطوبة، قال:"والسبب في استحباب النظر إلى المخطوبة أن يكون التزوج على رويَّة، وأن يكون أبعدَ من الندم الذي يلزمه إن اقتحم في النكاح ولم يوافقه فلم يرده، وأسهل للتلاقي إن رد، وأن يكون تزوجها على شوق ونشاط إن وافقه، والرجل الحكيم لا يلج مولجًا حتى يتبين خيره من شره قبل ولوجه" [4] .
ـ كراهة جمع الطلقات الثلاث في طُهر واحد، قال:"وذلك لأنه إهمال للُّحمةِ المرعية في شرع تفريقها؛ فإنها شرعت ليتدارك المفرط، ولأنه تضييق على نفسه وتعرض للندامة، وأما الطلقات الثلاث في ثلاثة أطهار فأيضًا تضييق ومظنة ندامة، غير أنها أخف من الأول من جهة وجود التروي والمدة التي تتحول فيها الأحوال" [5] .
ـ النهي عن حكم القاضي وهو غضبان، قال:"والسبب المقتضي لذلك أن الذي اشتغل قلبه بالغضب لا يتمكن من التأمل في الدلائل والقرائن ومعرفة الحق" [6] .
يتبين مما سبق أن"حجة الله البالغة"يقترب كثيرًا من مفهوم المقصد الجزئي في مسائل الفقه التي تناولها، لكنه لا يتتبع كل حكم بهذه الطريقة، وكذلك ليس كل ما يتحدث فيه أو يذكره يعتبر مقصدًا، بل أحيانًا يكون سرًّا أو سببًا أو من محاسن الدِّين.
وينبغي أن نضع الكتاب في سياقه التاريخي والجغرافي أيضًا؛ حيث كانت مؤلفات الدهلوي عمومًا تنشد يقظة إسلامية ونهضة حضارية وإحياء شاملًا في وقت كانت الهند تعاني فيه من اضمحلال في كل جنبات الحياة وشتى العلوم؛ ولذلك كان تناوله شاملًا في العقيدة والتفسير والحديث والفقه والأصول والآداب والتصوف والحضارة والعمران، وغير ذلك مما شكل به نهضة إصلاحية شاملة.
(1) صحيح مسلم: كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء.
(2) صحيح مسلم: كتاب الطهارة، باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء.
(3) حجة الله البالغة: 1/ 174، دار التراث.
(4) حجة الله البالغة: 2/ 124، دار التراث.
(5) حجة الله البالغة: 2/ 140، دار التراث.
(6) حجة الله البالغة: 2/ 166، دار التراث.