فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 89

ـ وفي الحكمة من تحريم نكاح المسلمة لغير المسلم، قال: الحكمة في ذلك من وجوه:

منها: أن المسلمة اكتسبت بإسلامها المعزة، فإذا تزوج غير المسلم بالمسلمة يكون له حق السيطرة عليها؛ إذ الرجال قوامون على النساء، ولا شك أن سيطرته عليها فيها إهانة لها، والشارع لا يرضى أن تصل الإهانة إلى المسلمة من غير المسلم؛ قال الله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141] .

وأيضًا ربما عاملها على مقتضى دينه، فتكون هناك الطامة الكبرى والبلية العظمى، بل قُلْ عليها وعلى الدنيا السلام.

ومنها: أن الذرية تميل في الغالب بعد سن الرشد إلى الآباء، فإذا تزوجت مسلمةٌ بغير مسلم فكأنها تلد للكفر ولغير الإسلام، وهذا لا يريده الشارع الحكيم.

ومنها: أنه إذا حصلت الألفة بينهما تكون الزوجة مظنة طاعة الزوج إذا دعاها إلى اعتناق دينه ومذهبه؛ من أجل ذلك حرَّم الشارع الحكيم نكاح المسلمة لغير المسلم قطعًا [1] ، ولعل مقصد حفظ الدين يجمع بين هذه الحكم جميعًا في هذا الحكم الفرعي.

ـ وعن الحكمة من مشروعية الخيار قال:"والحكمة فيه: أن الإنسان إذا اشترى شيئًا ربما غفل عن عيب فيه، ولا يظهر هذا العيب إلا بإمعان النظر أو مشاورة أهل الخبرة، وجعل مدة الخيار ثلاثة أيام، وهي مدة كافية لمعرفة الشيء الذي اشتراه، وأيضًا أن هذه المدة علق الشارع عليها كثيرًا من الأحكام الموجودة في مظانها، ولما رأى الشارع أن الإنسان قد يكون له صديق أو خبير، وكلاهما غائب عنه، والأيام الثلاثة لا تكفي للحصول على واحد منهما جعل له حيلة لا يتطرق إليها الباطل، ولا يبعد عنها الحق، وهي أنه إذا قرب انتهاء المدة ولم يحضر كلاهما فسخ المشتري العقد وجدده وجعل له الخيار ثلاثة أيام أخرى، وهكذا حتى يحضر الغائب وحتى يكون عالمًا بما اشتراه حق العلم، فلا يقع في شَرَكِ الغش والغَبْن، وهي حكمة بالغة جليلة تنفي وقوع التنازع والخصام بين جماعة المسلمين" [2] .

في هذا المثال نلاحظ أن فيه أكثر من حكمة، وربما ينطبق عليها مفهوم المقصد الجزئي؛ فحِفظ وحدة المسلمين مقصد واضح، ونفي الغش والغَبْن مقصد أيضًا واضح في البيوع.

وهكذا نجد حديثه عن حكم العبادات يقترب من مفهوم الأثَر والسر والحكمة، ويبتعد عن مفهوم المقصد الجزئي، في حين نجده يقترب من المقصد أو ينطبق عليه في كثير مما سوى ذلك من أحكام للزواج والطلاق والمعاملات وغيرها، وهي طبيعة لم تتخلف في معظم المصادر التي تناولناها.

(1) حكمة التشريع وفلسفته: 2/ 21، وهذه قضية شائكة ثار حولها جدل مؤخَّرًا، وبحثتها بعض المجامع الفقهية، وعلمت أن هناك رسالة علمية أكاديمية قامت حول المسألة.

(2) حكمة التشريع وفلسفته: 2/ 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت