فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 89

ليردُّونا إلى عبادة الأصنام، واستحلال الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيَّقوا علينا، وحالُوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على مَن سواك، ورجوناك ألا نظلم عندك يا أيها الملك، فقال النجاشي لجعفر: هل عندك مما جاء به شيء؟ قلت: نعم، قال: فقرأت عليه صدرًا من"كهيعص"، فبكى والله النجاشي حتى أخضل ـ أي بلَّ لحيته ـ وبكت أساقفته" [1] ."

ففي هذه الآيات الكريمة، وفي قول جعفر لا نجد أجمع للخير وأوعب لصالح الإنسانية من هذه المقاصد التي ذكرتها الآيات، وبيَّنها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.

بل إن للفكر المقاصدي دورًا كبيرًا في المناظرات والحِجاج الشرعي والعقلي، الأصولي والفقهي، والمتأمل لمناظرات الإمام مالك الأصولية والفقهية ـ سواء كانت شفهية أم تحريرية ـ مع فقهاء عصره يقف على أهمية المقاصد في هذا المجال [2] .

وإذا كان الوعي بالمقاصد بكل مراتبها من الضروريات لتبليغ الدعوة وتفنيد الشبهات في كل عصر؛ فإن ذلك أوجبُ في عصرنا الذي أضحى من أهم خصائصه: ثقافة العولمة وعولمة الثقافة، وفي ظل هذا الانفتاح"العنكبوتي والفضائي"غير المحدود يصبح لزامًا على كل ناطق باسم الإسلام أن يكون له أوفى نصيب من الغايات التي جاءت في الآيات الكريمة، وفصلها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.

ولذلك كان هذا هو منهجَ الراسخين في العلم؛ يقول شيخنا د. يوسف القرضاوي: إن من منهجه ذكر"الحكم مقرونًا بحكمته وعلته، مربوطًا بالفلسفة العامة للإسلام، وهذا ما التزمته في فتاواي وكتاباتي بصفة عامة؛ وذلك لأمرين:"

الأول: أن هذه هي طريقة القرآن والسنة ... الثاني: أن الشاكين والمشككين في عصرنا كثيرون، ولم يعد أغلب الناس يقبلون الحكم دون أن يعرفوا مأخذه ومغزاه، ويعُوا حكمته وهدفه، وخاصة فيما لم يكن من التعبدات المحضة، ولا بد أن نعرف طبيعة عصرنا، وطبيعة الناس فيه، ونزيل الحرج من صدورهم ببيان حكمة الله فيما شرع، وبذلك يتقبَّلون الحكم راضين منشرحين، فمن كان مرتابًا ذهب رَيبُه، ومن كان مؤمنًا ازداد إيمانًا" [3] ."

(1) السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون: 2/ 31، علي بن برهان الدين الحلبي، (المتوفى: 1044 هـ) ، دار المعرفة، بيروت.1400 هـ.

(2) الفكر المقاصدي عند الإمام مالك وعلاقته بالمناظرات الأصولية والفقهية في القرن الثاني الهجري: 591 - 679.

(3) فتاوى معاصرة: 1/ 16 - 17، وعقب الشيخ في نفس الموضع على قوله تعقيبًا مهمًّا فقال:"ومع هذا لا بد أن نؤكد للناس: أن من حق الله تعالى أن يكلف عباده ما شاء، بحكم ربوبيته لهم، وعبوديتهم له؛ فهو وحده له الأمر، كما له الخلق؛ ولهذا لا بد أن يطيعوه فيما أمر، ويصدقوه فيما أخبر، وإن لم يدركوا علة أمره، أو كُنْهَ خبره، وعليهم أن يقولوا في الأول: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: 285] ، وفي الثاني: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] ، إن الله لا يأمر بشيء، ولا ينهى عن شيء، إلا لحكمة، هذه قضية ثابتة جازمة، ولكن لسنا دائمًا قادرين على أن نتبين حكمة الله بالتفصيل، وهذا مقتضى الابتلاء الذي قام عليه أمر التكليف، بل أمرُ الإنسان؛ {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} [الإنسان: 2] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت