وقال عن إحدى الخطوات المنهجية التي سلكها في بحثه"فقه الزكاة"من قبل:"لم أكتفِ ببيان الحكم الشرعي مجردًا في كل مسألة، بل عنيت بتفسير الحكمة من وراء تشريعه، والسر فيما أوجبه الشارع أو استحبه، أو نهى عنه أو أذن فيه، وهذا اقتداء بالشارع نفسه الذي عُني بتعليل الأحكام، وبيان مقاصدها ومنافعها للبشر أفرادًا وجماعات، ولم يكتفِ بالتكليف المجرد، والإلزام الصارم، اعتمادًا على التزام المكلفين ـ بحكم إيمانهم ـ بامتثال كل ما يصدر عن الشارع، عقَلوا حكمته أو لم يعقلوها، وإذا كان بيان الحكمة من التشريع أمرًا محمودًا على كل حال، فهو في عصرنا أمر لازم؛ لغلبة الأفكار المفسدة، والتيارات المضللة، والوافدة من الشرق والغرب، فلم يعد يكفي إصدار الحكم المجرد، وانتظار صيحات المكلفين بعده: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: 285] " [1] .
ويقول د. الريسوني ـ بحق ـ:"إننا اليوم في ظل التحديات الفكرية والثقافية والإعلامية التي تواجهنا وتحاصرنا أصبحنا أكثر اضطرارًا إلى أن نعرض على الناس ونشرح لهم مقاصد شريعتنا ومحاسن ديننا؛ فهذا هو الكفيل بإنصاف ديننا المفترى عليه، وإبرازه بما هو عليه، وما هو أهله، وهو الكفيل بدفع الشبهات، ورفع الإشكالات، وإقامة الحجة كاملة ناصعة؛ ليَهلِك من هلك عن بينة، ويحيا من حَيَّ عن بينة" [2] .
إن معرفة مقاصد الشريعة"تعطي المسلم القناعة التامة والمناعة الكافية ضد الحرب الضروس التي تقام اليوم ضد الإسلام عن طريق الغزو الفكري والعقدي والتيارات المنحرفة، والدعوات البراقة، والأفكار الهدامة التي تطلق من هنا وهناك عبر وسائل الإعلام التي تنوعت وتعددت في عصرنا الحاضر، وأصبحت السلامة منها أمرًا متعذرًا، وليس هناك من وسيلة لمواجهتها إلا عبر تحصين المسلم عن طريق القناعة بهذا الدِّين، وبيان مقاصده، مما يعطي المسلم هذه الحصانة" [3] .
ولقد بينا في فصل التأريخ أنه لا يخلو مجدِّد أو مصلِح من الاهتمام بالفكر المقاصدي، وأن الاهتمام بهذا الفكر يبرز في حالات الرغبة في النهضة والتجديد والحفاظ على الهوية ونشر الدعوة والإصلاح، وفي ضوء هذه الحقيقة نفهم ما رواه البيهقي عن إبراهيم بن عبدالرحمن العذري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يرِثُ هذا العلم من كل خلَف عدولُه؛ ينفُون عنه تأويل الجاهلين، وانتحال المبطِلين، وتحريف الغالين ) ) [4] .
(1) فقه الزكاة: 1/ 21، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثامنة، 1405 هـ/ 1985 م.
(2) مدخل إلى مقاصد الشريعة: 19، د. أحمد الريسوني، دار الأمان بالرباط، ودار السلام بالقاهرة، الطبعة الأولى، 1431 هـ/ 2010 م.
(3) مقاصد الشريعة وأثرها في الإصلاح والتشريع ووحدة الأمة، د. عبدالله الزير، ضمن الندوة العالمية عن الفقه الإسلامي وأصوله وتحديات القرن الواحد والعشرين، مقاصد الشريعة وسبل تحقيقها في المجتمعات المعاصرة: 1/ 572، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، كوالالمبور، (14 - 16 رجب 1427 هـ ــ 8 - 10 أغسطس 2006 م) ، وراجع: الدليل الإرشادي إلى مقاصد الشريعة الإسلامية: 2/ 11 - 12.
(4) سنن البيهقي الكبرى: كتاب الشهادات، باب: باب الرجل من أهل الفقه يسأل عن الرجل من أهل الحديث فيقول: كفوا عن حديثه؛ لأنه يغلط أو يحدث بما لم يسمع، أو أنه لا يبصر الفتيا، رقم (20700) ، راجع سنن البيهقي الكبرى: 10/ 209، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى، أبو بكر البيهقي، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414 هـ/ 1994 م، ورواه الطبراني في مسند الشاميين عن أبي هريرة، رقم (599) ، انظر مسند الشاميين: 1/ 344، سليمان بن أحمد بن أيوب، أبو القاسم الطبراني، تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1405 هـ/ 1984 م.