قال المناوي:"وهذا إخبار منه بصيانة العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وأنه تعالى يوفق له في كل عصر خلقًا من العدول يحملونه، وينفون عنه التحريف، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر" [1] .
ولا يتصور أن يكون هؤلاء الفضلاء الأخيار عدولًا ثم يخلون من فقه مقاصد الشريعة وإدراك غايات الرسالة؛ لأنهم لا يستطيعون رد تأويل الجاهلين، وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين إلا بالتمكن من غايات الشريعة ومقاصد الرسالة، وهذا من وظائف المقاصد بكل مراتبها.
وحين يقول الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] ، فمن معاني البصيرة في هذا السياق ـ والله أعلم بمراده ـ أن يكون متبصرًا بمقاصد الشريعة وغايات الرسالة، فيكون قوي الحجة ظاهر البرهان، فينقاد إليه الناس بما معه من حقائق ورسوخ وتبصر بما يدعو إليه، وهذا لا ينفك عن مقاصد الشريعة.
ولهذا يقرر العلامة ولي الله الدهلوي: أن علم الأسرار والحكم المقاصد"أحق العلوم بأن يصرف فيه من طاقة نفائس الأوقات، ويتخذه عدة لمعاده بعدما فرض عليه من الطاعات؛ إذ به يصير الإنسان على بصيرة فيما جاء به الشرع" [2] .
وحين يقول أيضًا: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17] ، فإن الزَّبَد هو ما يطفو فوق سطح الماء، وهو إشارة إلى عدم الثبات والقوة والعمق، وهذا شبيه بالظاهرية في فهم النصوص التي ترفض التقصيد والتعليل، وتقف عند ظاهر النص دون سبر أغواره والوقوف على مقاصده وغاياته؛ ولهذا قال الدهلوي:"ومن عجز أن يعرف أن الأعمال معتبرة بالنيات ... فإنه لم يمسه من العلم إلا كما يمس الإبرة من الماء حين تغمس في البحر وتخرج، وهو بأن يبكي على نفسه أحق من أن يعتد بقوله" [3] .
لكن الراسخين في العلم المتعمقين في فهم الدين والفقه فيه فلا شك أن فقههم هو الذي ينفع الناس، ويمكث في الأرض، والآخر هو الذي يذهب جُفاءً كما يذهب زَبَد السيل.
وإذا كان كثير من الأصوليين احتجوا لمشروعية القياس بقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2] ، والله تعالى يقول: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران: 13] ، ويقول: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
(1) فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير: 6/ 514، للعلامة محمد عبدالرؤوف المناوي، ضبطه وصححه أحمد عبدالسلام، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1415 هـ/ 1994 م.
(2) حجة الله البالغة: 1/ 3.
(3) حجة الله البالغة: 1/ 5.