هذا القرآن الكريم هو كلام الله لفظه ومعناه، فالأمر والنهي والخبر والاستخبار والقصص كلها كلام الله عزّ وجل.
إذًا هذا القرآن - الذي نسأل الله أن يجعله حجة لنا - كلام الله حقًا، تكلم به حقًا، وسمعه جبريل حقًا، ونزل به على قلب النبي صلى الله عليه وسلم حقًا، فوعاه النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه كان يتعجل أن يتابع جبريل لئلا يفوته شيء فقال الله عزّ وجل له: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ*إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) [1] حيث التزم الله تعالى بجمعه وقرآنه (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) [2] أي قرأه جبريل، وأضاف قراءة جبريل إلى نفسه عزّ وجل لأن جبريل رسوله إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فأضاف فعل جبريل إلى نفسه لأنه هوا لذي أرسله: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) [3]
التزام من الله عزّ وجل أوجبه على نفسه أن يجمع القرآن، وأن يقرأه جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يبيّنه.
"القُرآنُ حُجَّةٌ لكَ أَو عَليكَ"يكون القرآن حجة لك إذا نصحت له، ويكون حجة عليك إذا لم تنصح له.
قوله:"كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو"أي كل الناس يخرج مبكرًا في الغدوة في الصباح وهذا من باب ضرب المثل.
"فَبَائِعٌ نَفْسَهُ"أي الغادي يبيع نفسه، ومعنى يبيع نفسه أنه يكلفها بالعمل، لأنه إذا كلفها بالعمل أتعب النفس فباعها.
ينقسم هؤلاء الباعة إلى قسمين: معتق و موبق، ولهذا قال:
"فَمُعْتِقُهَا أَو مُوبِقُهَا"فيكون بيعه لنفسه إعتاقًا إذا قام بطاعة الله كما قال الله عزّ وجل: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) [4] يشتري نفسه أي يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله عزّ وجل، فهذا الذي باع نفسه ابتغاء مرضاة الله وقام بطاعته قد أعتقها من العذاب والنار.
والذي أوبقها هو الذي لم يقم بطاعة الله عزّ وجل حيث أمضى عمره خسرانًا، فهذا موبق لها أي مهلك لها.
لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالنسبة للقرآن إلى من يكون القرآن حجة له، ومن يكون حجة عليه ذكر أن العمل أيضًا قد يكون على الإنسان وقد يكون للإنسان، فيكون للإنسان إذا كان عملًا صالحًا، ويكون عليه إذا كان عملًا سيئًا.
(1) [القيامة:16 - 17]
(2) (القيامة: الآية 18)
(3) (القيامة:19)
(4) (البقرة: الآية 207)