عندما تسنم (مصطفى كمال أتاتورك) سدة الحكم في تركيا عام 1923، شرع إلى التخلص من الإرث العثماني بكل توجهاته الأيديولوجية، وفي مقدمتها فكرة الجامعة الإسلامية (1) . وهي الفكرة التي تتمثل بإعلاء شان رابطة الدين كمقوم أساسي لهويات الشعوب والأمم، بحيث تحجب ما عداها من روابط وثقافات، فقد دشن العثمانيون دولتهم كدولة للمسلمين ودار للإسلام لا دولة للطورانية التركية أو غيرها (2) . وعلى نحو متصل كان من الطبيعي أن تكون السياسة الخارجية للدولة العثمانية ذات طابع انفتاحي على الشؤون الدولية، إذ خاضت حروب توسعية ودفاعية عدة، كما أسهمت بفاعلية في العديد من التحالفات والمؤتمرات الدولية، وسيطرت على مساحات شاسعة في قارات العالم الثلاث القديمة (3) .
وعلى النقيض من ذلك راح (مصطفي کمال أتاتورك) يؤسس الجمهورية التركية الحديثة التي قامت على أنقاض الدولة العثمانية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، فقد سعى إلى الخلاص من الموروث العثماني الأيديولوجي، وبالتالي نبذ الإسلام كمقوم الهوية الدولة ومنطلق عقائدي لسياستها الداخلية والخارجية على حد سواء، واعتبر أن الثقافة العثمانية هي سبب التخلف الذي مرت به ترکيا، وانه لا يمكن تحقيق التمدن إلا بتخليص الجمهورية التركية من التراث العثماني الإسلامي، وبناء على ذلك انتهجت تركيا في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي سياسة راديکالية متطرفة، تهدف إلى إزالة الصبغة الإسلامية عنها. (4)