فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 500

تلك هي بعض مزايا الطبري وابن الأثير، وأمثالهما من المؤرخين المعتمدين يحرصون على تدوين الحقائق التاريخية كما حدثت بصدق وأمانة، لأنهم يخافون الله فلا يفترون الكذب، ولأنهم علماء بحق لا يلوثون علمهم بالكذب والافتراء، ولأنهم قادرون على تدوين التاريخ بأمانة وصدق وعلم، ولو أنهم لا يقدرون على التدوين كما ينبغي، لانصرفوا عنه إلى علومهم الأخرى التي يحاولون ما استطاعوا أن ينتفع بها الناس، واضعين نصب أعينهم حديث رسول الله: إذا مات الإنسان انقطع عمله (1) إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (2) ، فكانوا يعتبرون العلم عبادة من أجل العبادات، ويرجون ثواب الله في كل كلمة يخطونها باعتبار العلم يتجدد ثوابه ما أقبل عليه الناس وانتفعوا به، ولا ثواب إلا على علم موثوق به لا غش فيه ولا تدليس، ولا ثواب على علم ملقق لا ينفع الناس.

لذلك كان المؤرخون المسلمون القدامي كالطبري وابن الأثير وأضرابهما من المؤرخين، يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا، ونياتهم أن يتعبدوا بما يكتبون، وإنما الأعمال بالنيات.

ولا بدعي أحد الكمال للمؤرخين المسلمين المعتمدين، فالكمال لله وحده، والكتاب العزيز هو الكتاب الوحيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أما ما يخطه البشر فلا يخلو من الوهم والخطأ والنسيان وكتب المؤرخين المسلمين المعتمدين لا تخلو من الخطأ، ولكن نسبة خطئهم إلى صوابهم ضئيل.

وقد كانت الرقابة النقدية على مختلف رواة الأخبار صارمة جدا في العصور العابرة والرواة الذين ينحرفون عن الصدق يسجل عليهم انحرافهم

(1) فائدة عمله وتجديد ثوابه

(2) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، انظر مختصر الجامع الصغير للمناوي (1/ 56) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت