وبدا الاقتتال بين الفاتحين بعد استشهاد عثمان بن عفان، وأصبحت سيوفهم عليهم لا على أعدائهم، فانتقضت البلاد المفتوحة، وضعفت هيبة الدولة داخلية وخارجية، حتى استطاع عبد الملك بن مروان جمع شمل العرب مرة أخرى سنة ثلاث وسبعين الهجرية (192 م) وإعادة الوحدة إليهم، فكانت هذه السنة سنة الوحدة بحق، فانطلق الفتح من جديد وانطلق استعادة الفتح، ولكن عوامل التفرقة ظلت كالنار في الرماد لا تخبو مدة إلا لتظهر في مدة ثانية، حتى توقف الفتح نهائيا سنة منة الهجرية (718 م) .
وكان عمر الفتح وهو القرن الأول الهجري هو خير القرون، ويمكن أن نقسم هذا العصر إلى ثلاثة أقسام: عهد الفتح أولا، وهو من غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية الهجرية (123 م) ، وكانت هذه الغزوة من الغزوات التاريخية الحاسمة، بدا فيها الفتح تدريجيا حتى شمل شبه الجزيرة العربية كلها في وحدة عربية شاملة تحت لواء الإسلام، وانتهى هذا العهد في سنة تسع وعشرين الهجرية (649 م) في أوائل خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وعهد الاقتتال الداخلي من سنة تسع وعشرين الهجرية حتى سنة الوحدة في أيام عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وسبعين الهجرية (192 م) ، وفي هذا العهد توقف الفتح لأن الفاتحين شغلوا بالاقتتال فيما بينهم ولم يشغلوا بالجهاد، فانتفضت كثير من البلاد المفتوحة وشاعت الفوضى في البلاد المفتوحة التي لم تنتفض، حتى أتى المسلمون الجزية للزوم ولغيرهم، فأصبح الغالب مغلوبة والقائد مقودة والمنتصر مهزومة.
وعهد الفتح واستعادة الفتح من سنة الوحدة أي سنة ثلاث وسبعين الهجرية إلى انسحاب المسلمين من حصار القسطنطينية بقيادة مسلمة بن عبد الملك (1) ، وفي هذا العهد فتح المسلمون (الشني) بقيادة محمد بن
(1) انظر سيرته في كتابنا: قادة فتح بلاد الروم