استعاد (الوحدة) ، وكان يدفعها له أيام الفتن الداخلية والحروب الأهلية (1) .
وتربي مسلمة في كنف أبيه بعد استعادة الوحدة للدولة الإسلامية بجو كله استقرار وأمن ودعة وبناء علمي وإداري وسياسي وعسكري، في بداية العصر الذهبي لحكم بني أمية، برعاية والده الحصيف العالم الداهية الذي يعد بحق أبرز خلفاء بني أمية في القام علما وعملا ومقدرة وذكاء، فأفاد مسلمة من رعاية والده في وقت تفرغ فيه عبد الملك لرعاية شئونه الخاصة أكثر من السابق - يوم كان في دوامة الفتن والقلاقل والاضطرابات، وبقي يحظى بالرعاية الأبوية والعائلية الكاملة، حتى توفي عبد الملك سنة ست وثمانين الهجرية (2) (705 م) ، فارسي عبد الملك أسس شخصية ابنه مسلمة، وبدت ملامحها واضحة جلية في وقت مبكر من عمره، تلك الأسس التي كانت عبارة عن: الدين والتفقه فيه والتمسك بتعاليمه، والعربية واتقان علومها، والسياسة وممارسة قضاياها، والإدارة وحل مشاكلها، والعسكرية والتدريب على متطلباتها، فكان مسلمة بحق نسخة طبق الأصل من والده عبد الملك وأشبه الناس به عدا الخلافة التي حرم منها، لأن أمه من أمهات الأولاد، وكان لا يتولى الخلافة إلا أموي أمه عربية حرة، بالرغم من: «إنه كان أحق بالملك من سائر إخوته (3) .
وحين اشتد مرض عبد الملك جمع بنيه وهو على فراش الموت وأوصاهم قائلا: «أوصيكم بتقوى الله، فإنها أزين جلية وأحصن کهف. ليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير حق الكبير؛ وانظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه، فإنه نابكم (4) الذي عنه تفترون، ومجنكم (5) الذي
(1) انظر التفاصيل في: قادة فتح المغرب العربي (2/ 113 - 119) وانظر ابن خلدون
(2) تاريخ بغداد (291/ 10) وتاريخ الخميس (311/ 2) .
(3) دول الإسلام (92/ 1) وانظر الأعلام (8/ 122) ومسلمة بن عبد الملك (45) .
(4) الناب: السن في جانب الرباعية، وللإنسان تابان في كل فك. وناب القوم: سيدهم.
(5) المجن: الترس، وفلان مجنکم: حاميکم.