وقد جاءت الألفاظ الثلاثة الآنفة مجتمعة في حديث شريف يحثُّ على الرِّفق ويرغِّب فيه:
عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( ألا أُخْبِرُكم بمن يَحْرُم على النَّار، أو: بِمَنْ تَحْرُم عليه النارُ؟ على كلِّ قريبٍ هَيْنٍ لَيْن سهل ) )أخرجه الترمذي [1] .
والمعنى: تحرم النار على كلِّ قريبٍ إلى الناس، قد اتّصف بالسكون والوقار والسهولة، فهو كريم الشمائل، سهل الأخلاق، ليس شديدًا ولا عنيفًا ولا صَعْبًا [2] .
4 -المداراة:
يقال: داراه، أي: لاطفه ولاينه ورفق به واتّقاه [3] .
قال ابن حجر: (( المُداراة: هو بغير همز، بمعنى المجاملة والمُلاينة ) ) [4] .
وقال ابن بطال [5] : (( المداراة من أخلاق المؤمنين وهي: خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الأُلفة وسَلِّ السَّخِيمة [6] ) .
وقال أيضًا [7] : (( المداراة هي: الرِّفق بالجاهل الذي يستتر بالمعاصي ولا يجاهر بالكبائر، والمعاطفة في ردِّ أهل الباطل إلى مُراد الله بلينٍ ولُطْفٍ حتى يرجعوا عما هم عليه ) ).
والمُداراة بمعناها السابق مشروعة، وهي تختلف عن المُداهنة المحرَّمة، فقد فسّر العلماء المداهنة بأَنْ تَلْقَى الفاسقَ المُظهِرَ لفسقه بالألفة والمودّة والرِّضا، وترى أفعاله المنكرة ولا تنكرها عليه [8] .
(1) الترمذي: كتاب صفة القيامة - باب (45) حديث (2488) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
(2) ينظر: (( النهاية ) )5: 289 - 290، و (( تحفة الأحوذي ) )7: 160 - 161.
(3) (( المعجم الوسيط ) )مادة (درى) .
(4) (( فتح الباري ) )9: 161.
(5) ابن بطال في (( شرح صحيح البخاري ) )9: 305.
(6) أي: إخراج الحقد الذي في النفوس برفق. (( القاموس ) )مادة (س ل ل) و (س خ م) .
(7) (( شرح صحيح البخاري ) )9: 306.
(8) المرجع السابق.