تطرأ في حياة الإنسان بعض الأمور التي ليست بحسبانه، فإذا ما استخدم لها الحكمة، وعالجها برفق، اجتازها بنجاح وتفوُّق، وذلك لما في الرِّفق من أسرار وخصائص عظيمة، فبسببه تهوي الحواجز، وتُخْتَصر المسافات، وتقوى الصِّلات، وتزول الضغائن والأحقاد من القلوب، ويحصل المطلوب، أما العُنْف والشدَّة والغلظة فلا تحَقِّق إلا النُّفْرة، والبُغْض، والقطيعة.
قال الله تعالى لنبيِّه -صلى الله عليه وسلم-: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [1] .
وقد ضرب رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أروعَ الأمثلة في معالجة المواقف الطارئة بالرِّفق، حينما قام أعرابيٌّ جافٍ أو حديثُ عهد بالإسلام فبال في مسجده! فتناولَه النَّاسُ.
فقال لهم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (( دَعُوه، وهَرِيقُوا على بوله سَجْلًا من ماء - أو: ذَنُوبًا من ماء - فإنما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرين، ولم تُبْعَثوا مُعَسِّرين ) )رواه البخاري [2] .
وفي رواية له: فزجره الناس، فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- [3] .
والتفت -صلى الله عليه وسلم- للأعرابي قائلًا: (( إنَّ هذه المساجدَ لا تصلُحُ لشيءٍ من هذا البولِ ولا القَذَرِ، إنما هي لِذكْرِ الله عزَّ وجل والصَّلاة وقراءةِ القرآن ) )رواه مسلم [4] .
(1) سورة آل عمران (159) .
(2) البخاري: كتاب الوضوء - باب صبِّ الماء على البول في المسجد (220) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) البخاري: كتاب الوضوء - باب صبِّ الماء على البول في المسجد (221) عن أنس ابن مالك رضي الله عنه.
(4) مسلم: كتاب الطهارة - باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد .. 1: 237 حديث 100 (285) عن أنس رضي الله عنه.