فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 138

فلا يُتصوَّر الرِّفق من الفظِّ الغليظ، كما لا يتحقَّق المقصود من رفق العاجز الضعيف، وأما اللِّين مع القوّة فهو خير الأمور وأوسطها، وهو الرِّفق المطلوب.

فليس من الرِّفق دعوة الناس إلى التساهل في الدين، والعدولِ عن السبيل القويم، وليس منه أيضًا التسامح مع من يترك المأمورات، أو يقترف المحظورات، أو يعطل الحدود أو يتهاون فيها؛ لما في ذلك من إثم كبير.

وفي الحديث: (( ما خُيِّرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أمرَيْن إلا اختار أيسرَهُما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعدَ الناس منه [1] ) .

وأعظم الإثم في ترك واجب، أو فعل محرّم، فهذا لا رفقَ فيه ولا تسامح.

وإذا كان الرِّفق محمودًا ومفيدًا في أكثر الأحوال وأغلب الأمور، فإن الحاجة إلى الشدَّة والقوة قد تقع في بعض الأحيان.

قال عقبة بن عامر رضي الله عنه: أُهدي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرُّوجُ حريرٍ [2] فلَبِسَه، ثم صلّى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعًا شديدًا - كالكاره له - ثم قال: (( لا ينبغي هذا للمتقين ) ) [3] .

(1) هذا جزء من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: مَا خُيِّرَ رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم- بين أمرَيْن إلا أخذ أَيسرَهُما، مالم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعدَ النَّاس منه، وما انتقمَ رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم- لنفسه، إلا أن تُنْتهَكَ حُرْمةُ الله فينتقِمَ لله بها. أخرجه البخاري: كتاب المناقب - باب صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- (3560) ، ومسلم: كتاب الفضائل - باب مباعدته -صلى الله عليه وسلم- للآثام ... 4: 1813 حديث 77 (2327) .

(2) هو القَباء الذي فيه شَقٌّ من خلفه (( النهاية ) )3: 423، والقَباء: ثوب يلبس فوق الثيابِ أو القميصِ كما في (( المعجم الوسيط ) ) (ق ب و) .

(3) البخاري: كتاب اللباس - باب القباء وفروج الحرير ... (5801) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت