ومما يدُلُّ على وجود هذين النوعين _ الرِّفق الغريزيّ، والرِّفق المكتسب _: قولُه -صلى الله عليه وسلم- لأشجِّ عبد القيس: (( إنَّ فيكَ خَلَّتَيْن يُحِبُّهما الله: الحِلْمُ وَالأَنَاةُ ) ).
قال: يا رسول الله أنا أتخَلَّقُ بهما، أمِ اللهُ جبلني عليهما؟
قال: (( بل اللهُ جَبَلَك عليهما ) ).
قال: الحمدُ لله الذي جبلني على خَلَّتَيْن يُحِبُّهما اللهُ ورسولُه. رواه أبو داود [1] .
فطَرْحُ الأشجِّ لهذا السؤال، وإقرارُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- عليه، يشعر بأن الأناة والرِّفق واللُّطْف، وكذا الحلم وسائر الأخلاق الكريمة، منها ما هو جِبِلِّيٌّ غريزي، ومنها ما هو مكتسب، والله أعلم.
ومن صور الرِّفق الجِبِلِّيّ الغريزي: رِفْق الأم بولدها، وهذا ظاهر حتى في غير نوع الإنسان.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (( جعل الله الرَّحمةَ في مئة جزء، فأمسك عنده تسعةً وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق، حتى ترفعَ الفرسُ حافرَها عن ولدها؛ خشية أن تُصيبَه ) )رواه البخاري ومسلم [2] .
وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( إنَّ الله خلق يومَ خلقَ السماواتِ والأرضَ مئةَ رحمةٍ، كلُّ رحمةٍ طِباقُ ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمةً،
(1) أبو داود: كتاب الأدب - باب في قُبْلة الرِّجْل (5225) عن الزارع وكان في وفد عبد القيس، وحسَّن المنذريُّ هذا الحديث، وأصله عند مسلم.
(2) البخاري: كتاب الأدب - باب جعل الرحمة في مئة جزء (6000) ، ومسلم: كتاب التوبة - باب في سعة رحمة الله تعالى ... 4: 2108 حديث 17 (2752) .