والرقابة على الإنتاج والرقابة الأمنية ونحوها، كما أن في نسبة الرقابة إلى الشريعة إفادة بكون الشريعة هي المصدر في استمداد أحكام هذا النوع من الرقابة.
ونخلص من التحليل اللفظي السالف لمفردات مصطلح هيئة الفتوى والرقابة الشرعية ... إلى تعريف جامع لهذا المصطلح، ويمكن صياغة التعريف وفق اعتبارين؛ أولهما: الاعتبار النظري؛ طبقا لذات عمل الهيئة، والثاني: الاعتبار التنفيذي؛ طبقا لمن يقوم بها.
فإذا اعتبرنا ذات عمل الهيئة الشرعية فإن التعريف المختار هو: {النظر [1] في أعمال المؤسسة المالية [2] بغرض حفظها عن المخالفات الشرعية [3] } [4] ، لكننا حين نعرف الهيئة الشرعية ... باعتبار القائمين عليها فإن التعريف الجامع المختار هو: {الجماعة [5] من الفقهاء [6] يُعهد إليهم [7] النظر في أعمال المؤسسة المالية بغرض حفظها عن المخالفات الشرعية} .
(1) - قال ابن فارس في معنى النظر (معجم مقاييس اللغة 5/ 444) : (النون والظاء والراء أصل صحيح يرجع فروعه إلى معنى واحد، وهو تأمل الشيء ومعاينته، ثم يستعار ويتسع فيه، فيقال: إلى الشيء أنظر إليه، إذا عاينته) ، وقال الزركشي في البحر المحيط (10/ 42 - 43) : (النظر لغة: الانتظار وتقليب الحدقة نحو المرئي، والرحمة، والتأمل، ويتميز بالمعدى من حروف الجر، ... وفي الاصطلاح: الفكر المؤدي إلى علم أو ظن ... وقال الأستاذ أبو منصور: هو الفكر في الشيء المنظور فيه طلبا لمعرفة حقيقة ذاته ... أو صفة من صفاته، وقد يفضي إلى الصواب إذا رتب على وجهه، وقد يكون خطأ إذا خولف ترتيبه) ، وانظر أيضا: التعريفات للجرجاني ص 310 (برقم 1553) .
كما أن (النظر) في التعريف يشمل الرقابة الشرعية بأنواعها وصورها كافة، فهي تشمل الرقابة السابقة والمصاحبة واللاحقة، ... كما أن التعبير عن الرقابة الشرعية بكلمة (النظر) شامل للأصلين اللذين يدور عليهما عمل الهيئات الشرعية وهما: الإفتاء والرقابة معا.
(2) - في إضافة الأعمال إلى المؤسسة عموم يشمل مجال عمل الرقابة الشرعية ـ سواء مما هو مطلوب شرعا أو المنصوص نظاما ـ، ... فلا يقتصر نظر الرقابة الشرعية في العقود والمعاملات المالية فحسب، وإنما يشمل أيضا بقية المحاور الأربعة الرئيسة، وهي: التقنينات ... ـ من النظم واللوائح ـ، والسياسات العامة، والأخلاقيات العامة في المؤسسة المالية، كما سيأتي تفصيله في الأصل الرابع.
ومن جهة أخرى فإن إطلاق (المؤسسة المالية) شامل للرقابة الشرعية في المصارف وشركات الاستثمار وشركات التأمين الإسلامية، كما أن عدم تقييدها بالإسلامية يشمل النوافذ الإسلامية في البنوك التقليدية وما كان في حكمها.
(3) - يشمل قولنا (حفظها عن المخالفات الشرعية) جميع الأعمال المخالفة للشريعة الإسلامية؛ على أي وجه من وجوه المخالفة؛ وسواء كانت المخالفة من جهة الإخلال بالأمر كإيتاء الزكاة، أو ما يقابلها من جهة الإخلال بالنهي كأكل الربا، وكذا لو كانت المخالفة واقعة إزاء نصوص الشريعة أو قواعدها أو مقاصدها وغاياتها، كما تشمل المخالفات أيضا ما كان منها محرما أو مكروها، ومن جهة رابعة مهمة فإن المخالفات الشرعية تتناول المعاملات الربوية المحرمة، كما تشمل سائر أسباب تحريم المعاملات المالية ... في الشريعة الإسلامية؛ من مثل جنس الغرر والغش والظلم والباطل ونحوهما من أسباب فساد المعاملات المالية في الشريعة.
(4) - يلحظ في التعريف المختار اشتماله على المعاني المتقدمة للرقابة لغة وشرعا، ففي كلمة (النظر) معنى الانتظار والتوقع، ... وفي عبارة (حفظها عن المخالفات الشرعية) معنى الرعاية والحفظ، والأول واقع في طريق الثاني ووسيلة إليه، فتطابق المعنيان اللغوي والاصطلاحي، وظهرت بهذا أصالة التعريف المختار.
(5) - قولنا (الجماعة) ينفي الفردية في عمل هيئة الرقابة الشرعية، ويشعر بأن أقلهم ثلاثة.
(6) - في تخصيص ذكر (الفقهاء) دون غيرهم تنبيه على أنهم الأصل في عملية استنباط الحكم الشرعي على المعاملة المالية ... في الشريعة الإسلامية، ويندرج تحت وصف (الفقهاء) الشروط المعتبرة في ذلك، لاسيما الدربة في فقه المعاملات المالية، ... كما دلت عليه (أل) العهدية، ولا يقدح في التعريف خلوه عن ذكر الخبراء والمتخصصين في مجالات أخرى كالاقتصاد والقانون ونحوهم، فإنما هم أنصار الفقهاء وأعوانهم، فَيُلجأ إليهم عند الحاجة إلى دَرْكِ جوانب تفصيلية تخصصية خارج نطاق الاستنباط الفقهي، ذلك أن شروط الاجتهاد منتفية عنهم؛ فلا يجوز لهم إصدار الفتاوى والأحكام الشرعية على المعاملة المالية بالحل أو الحرمة استقلالا لانعدام أهلية الاجتهاد الشرعي فيهم، لكن يلزم تبعا الاستعانة بكل من لا يتم الواجب إلا به متى احتيج إليه، وانظر: ورقة د. حسين حامد (المؤتمر الأول للهيئات الشرعية) ص 10 - 11.
(7) - وقولنا (يعهد إليهم) فيه خروج من خلاف التكييف الفقهي لعلاقة الهيئة الشرعية بالمساهمين أو الملاك أو غيرهم، كما أن فيه شمولا لصور العهد كافة، سواء كان العهد من قبل الجمعية العمومية أو مجلس الإدارة أو أية جهة أعلى مما ذكر.