فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 643

جعل قوله: وأن غفوا في مقابلة قوله: نظروا. وإنما يغفل الإنسان عن أمر يفعله ويشتغل بتحصيله، وما ذلك إلا تقليب الحدقة.

الحجة السابعة عشر: أنشد بعضهم:

ونظرة ذي شجن وامق ... إذا ما الركائب، جاوزن ميلا

أثبت النظر بعد مجاوزة الركائب ميلا. ومعلوم: أن الرؤية غير حاصلة في هذا الوقت، ولما أثبت النظر حال عدم الرؤية، ثبت أن النظر حال عدم الرؤية، ثبت أن النظر غير الرؤية.

الحجة الثامنة عشر - ومن ههنا نذكر الوجوه الدالة على أن النظر المقرون بحرف (( إلى ) )قد يجئ بمعنى الانتظار، لا بمعنى الرؤية-

فنقول: قوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23] معناه: أنها تنظر إلى الرب لا إلى غيره. وذلك لأن تقديم المفعول يفيد الحصر، كما في قوله تعالى: {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [الشورى: 53] و {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] و {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم: 42] و {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} [العلق: 8] و {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة: 30] إذا ثبت هذا فنقول: مقتضي الآية: أنهم لا ينظرون إلى غير الله تعالى. ولا شك أنهم يرون غير الله تعالى. وذلك لأنهم يرون الجنة النار ومرافق القيامة. وذلك لأن المؤمنين نظارة في ذلك اليوم، لأنهم هم الآمنون لا خوف عليهم ولاهم يحزنون. ولما دلت الآية على أنهم لا ينظرون إلى غير الله تعالى، ودل العقل على أنهم يرون غير الله، علمنا: أن النظر غير الرؤية. أما إذا حملنا هذا اللفظ على الانتظار، صح هذا الحصر، وذلك لأنهم لا ينتظرون إلا رحمة الله، ولا يتوقعونها إلا منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت