رؤيته إدراكا البتة. فلم يلزم من نفى الإدراك نفى الرؤية. فالحاصل: أن الإدراك رؤية مكيف ولا يلزم من نفى الرؤبة المكيفة، نفى أصل الرؤية. وكما أنا نعرف الله ولا نحيط به. فكذلك نراه ولا ندركه.
الوجه الثاني في الجواب: هب أن إدراك العين عبارة عن الرؤية، إلا أن قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] نقيض لقولنا: تدركه الأبصار. وقولنا: تدركه الأبصار، يقتضي أن يدركه كل أحد. لأن الألف واللام إذا دخلا على اسم الجمع، يفيدان الاستغراق. ونقيض الموجبة الكية: السالبة الجزئية. فكان قوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] معناه: أنه لا تدركه جميع الأبصار، ونحن نقول بموجبه. فإنه لا يراه جميع المبصرين. فإن الكافرين لا يرونه بل يراه بعض الأبصار.
الوجه الثالث في الجواب: أنا نقول بموجب الآية: أنه لا تدركه الأبصار. فلم قلتم بأنه لا يدركه المبصرون؟ فإن قالوا: المراد من الأبصار في الآية: المبصرون، وإلا خرجت الآية عن أن تكون مفيدة. فنقول: إذا حملنا الأبصار على المبصرين، وجب أن يكون معنى قوله تعالى: {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] : أنه يدرك جميع المبصرين. ولا نزاع في أنه تعالى مبصر، فيلزم بحكم هذه الآية: أن يبصر نفسه. وأنتم لا تقولون به.
الوجه الرابع في الجواب: هب أن ظاهره يدل على نفى الرؤية عن جميع المبصرين. إلا أنه عام. وقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] خاص. والخاص مقدم على العام.