كانت محدثة، افتقر كونه تعالى موجدا العلة، إلى علة أخرى. فيلزم التسلسل. وهو محال. وهذا هو المراد من قول مشايخ الأصول (( على كل شيء صنعه ولا علة لصنعه ) ).
الحجة الثالثة: أن جميع الأغراض، يرجع حاصلها إلى شيئين: تحصيل اللذة والسرور، ودفع الألم والحزن. والله تعالى قادر على تحصيل هذين المطلوبين ابتداء من غير شيء الوسائط. وكل من كان قادرا على تحصيل المطلوب ابتداء بدون الواسطة، ولم يصر تحصيل ذلك المطلوب بتلك الوسائط أسهل عليه من تحصيله ابتداء: كان التوسل إلى تحصيل ذلك المطلوب بتلك الواسطة عبثا. وذلك على الله تعالى محال. فثبت: أنه لا يمكن تعليل أفعاله وأحكامه بشيء من العلل والأغراض.
الحجة الرابعة: أنه لو وجب أن يكون خلقه وحكمه معللا بغرض، لكان حلق الله تعالى العالم في وقت معين دون ما قبله وما بعده، معللا برعاية مصلحة وغرض. ثم ذلك الغرض-وتلك المصلحة-إما أن يقال: أنه كان حاصلا قبل ذلك الوقت، وأما كان حاصلا قبله. فإن كان حاصلا قبله، كان ما لأجله أوجد الله تعالى في ذلك الوقت، حاصلا قبل أن أوجده. فيلزم أن يقال: أنه كان موجدا له قبل أن كان موجدا. وذلك محال. وأما أن قلنا بأن ذلك الغرض وتلك المصلحة ما كان حاصلا قبل ذلك الوقت، إنما حدث في ذلك الوقت. فنقول: حصول ذلك الغرض في ذلك الوقت، أما أن يفتقر إلى المحدث أولا يفتقر. فإن لم يفتقر فقد حدث الشيء، لا عن موجد ومحدث. وهو محال. وإن افتقر إلى المحدث. فإن افتقر تخصيص احداث ذلك الغرض بذلك الوقت إلى غرض آخر، عاد التقسيم الأول فيه. ولزم التسلسل.