فهرس الكتاب

الصفحة 428 من 643

بالشيء إذا خاض فيه كان ضعيف القلب، ولا شك أن أجل العلوم وأعظمها هو العلم بالله تعالى. فالنقس إذا تحلت بهذه المعرفة قويت، واشتدت، فلا يضرها خواب البدن. ولذلك فإن العارفين إذا نخلوا في (3) أنورا جلال الله تعالى لم يلتفتوا إلى شيء، ولم يقيموا لشيء وزنا.

إذا عرفت هذا، فالنفوس العالمة تكون قوية، فلا تفني بموت البدن، والنفوس الجاهلة تكون ضعيفة، فلا حرم نموت بموت البدن.

فهذا تفصيل مذاهب الناس في المعاد الروحاني. أما الأولون - وهم القائلون بأن النفوس الناطقة كلها باقية بعد موت الأبدان - فهؤلاء أيضا طوائف:

الطائفة الأولى: الذين يقولون: النفوس الناطقة مدركة للجزئيات واحتجوا عليه بأنه يمكننا أن نحكم بأن هذا الشخص هو إنسان فهذه قضية موضوعها شخص معين - وهو جزئي - ومحمولها هو الإنسان - وهو كلي - والتصديق مسبوق بالتصور. فصاحب هذا التصديق عنده إدراك المحمول الذي هو الكلي، وإدراك الموضوع الذي هو الشخص. لكن مدرك هذا الكلي هو النفس. فمدرك هذا الجزء أيضا هو النفس. فثبت أن النفس مدركة للجزئيات.

إذا ثبت هذا فنقول: النفس لها صفتان: الإدراك والفعل. والإدراك قسمان: إدراك الجزئيات، وإدراك الكليات. فالنفس هي الموصوفة بهذين القسمين من الإدراك وبهذا الفعل الذي هو التحريك. فإذا مات البدن وزال الحجاب الجسماني، تجلت عليها أنوار عالم الجلال، فازداد ادراكها وفعلها، وانتهت في ذلك إلى حد الكمال، وقربت درجتها من درجة الملائكة - الذين هم أرواح عالم السموات - وذلك هو الغبطة الكبرى، والدرجة العظمى. @

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت