فهرس الكتاب

الصفحة 631 من 643

فإنه يجد الله معذبا معاقبا) بل قال (( فإنما يكبه على نفسه ) ). فتلت هذه الآيات: على أن جانب الحسنة راجح عند الله. ونظره قوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] ولم يقل: وإن أسأتم أسأتم لها. فكأنه تعالى بالع في إظهار فعله الحسنة، حيث ذكرها مرتين، وستر عليه إسائته، حيث لم يعبرها إلا مرة واحدة. وكل ذلك يدل على أن جانب الجنات راجح.

السادس: انا سنبين إن شاء الله تعالى ان قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 116] يدل إلا على العفو عن صاحب البيرة. ثم إنه تعالى أعاد هذه الآية في السورة الواحدة مرتين، والإعادة لا تحسن إلا للتأكيد، ولم يذكر شيئا من آيات الوعيد على وجه الإعادة بلفظ واحد، لا في سورة واحدة، ولا في سور كثيرة، فدل على ان عناية الله في الوعد أتم من مبالغته في جانب الوعيد.

السابع: ان عمومات الوعيد والوعد لما تعارضت، فلا بد من تأويل أحد الجانبين. وصرف التأويل إلى جانب الوعيد أحسن من صرفه إلى جانب الوعد. وذلك لأن العفو عن الوعيد مستحسن في العرف. أما إهمال الوعد فإنه مستقبح، فكان صرف التأويل إلى جانب الوعيد أولى من صرفه إلى جانب الوعد.

الثامن: ان القرآن مملوء من كونه غافرا وغفورا، وان له الغفران والمغفرة. وأنه رحيم، وله العفو والإحسان والفضل والافضال والأخبار الدالة على هذه المعاني قد بلغت مبلغا عظيما في الكثرة والقوة. وليس في القرآن ما يدل على أنه بعيد عن الصفح والتجاوز والكرم. وكل ذلك يفيد رجحان جانب الوعد على جانب الوعيد.

ألا ترى إلى قوله تعالى: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} [غافر: 3] فقوله (( غافر الذنب ) )ان كان المراد منه أنه يغفر مع التوبة، صار هذا عين قوله (( قابل التوب ) )فيحصل التكرار. ثم انه تعالى لما ذكر عقيب هذين الوصفين ما يدل على الوعيد، وهو @

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت