فلا بد من إفساده نظرا، وذلك يؤدي غلى نفي الشيء بنفسه وهو متناقض (1) بخلاف إثباته بنفسه فإنه غير متناقض.
الرابع: وهو إطباق العقلاء على النظر في طلب العلم.
وأما تمسكهم برجوع العقلاء عن المذاهب بعد إصرارهم عليها فاعلم أن هذا تمسك بضرب من النظر في إبطال أصله، وذلك متناقض وأيضا فذلك يدل على صعوبة المحافظة على ترابط الأدلة ومقدماتها لا على عدم إفضاء النظر إلى العلم، ونحن لا ننكر ذلك، وهذا كما أن الإنسان قد تلبس عليه المحسوسات فيظن السراب شرابا والكبير صغيرا وذلك لايدل على عدم إفضاء الحس إلى العلم فكذلك هاهنا.
وقولهم: الناظر كيف يعلم أن ما حصل له علم؟
قلنا: ان نعلم لو لم يكن علما لكان الفساد في بعض المقدمات المركب منها الدليل، لكنه قاطع بصحة تلك المقدمات فقطع بأن ما حصل له علم فإن قالوا: ووكيفي تعلم صحة مقدمة؟
قلنا: هذا إنما يتضح بضرب مثال: فمن أراد الاستدلال على إثبات الأعراض بقول: نرى الجسم مختصا ببعض الجهات وهذه مقدمة قطعية (2) ثم نقول: فحصوله فيها إما أن يكون واجبا (3) أو جائزا (4) وهذه المقدمة بتقدير ثبوت
(1) التناقض: هو اختلاف القضيتين بالإيجاب والسلب بحيث يقتضي ل 1 اته صدق إحداهما وكذب الأخرى.
(2) قالقطعي: هو المرادف للضروري وقد تقدم تعريفه.
(3) الواجب: في اللغة: السقوط واصطلاحا: هو ما يمتنع فرض عدمه.
(4) الجائز: في اصطلاح المتكلمين هو ما لا يمتنع فرض عدمه، أو هو الذي يقبل الثبوت تارة والانتفاء تارة أخرى.