الفصل الثانى
فى استحالة كونه تعالى موجبا بالذات
ذهبت الفلاسفة إلى أن البارى تعالى عن قولهم موجب لذاته، والصادر عنه جوهر واحد مفارق عن المادة، وله أربع تعقلات: تعلقه لإمكان ذاته، وتعلقه لوجوبه لغيره، و تعلقه لمبدئه، فيصدر عن العقل الأول مادة الفلك الأقصى، ومن الثانى صورته، ومن الثالث، المبدأ القريب لحركته وهو النفس، ومن الرابع العقل المحرك للفلك على سبيل التشويق، وعلى هذا الترتيب يصدر من كل عقل عقل وفلك إلى أن ينتهى إلى العقل الفعال الذى هو مدبر عالم الكون والفساد، والعقل الفعال هو المبدأ لحدوث الصور في هذا العالم، لكن فيضان الصورة عنه موقوف على استعداد المحل له، وختلاف الاستعداد في القوابل لسبب اختلاف في الحركات السماوية، فمتى استعد القابل لسبب الحركات السماوية لصورة مخصوصة، أو لعرض مخصوص، فاض عن واهب الصور ذلك العرض أو الصورة، هذا
1 الموجب بالذات هو الذى يجب أن يصدر عنه الفعل إن كان علة تامة له من غير قصد ولا اختيار، كوجوب صدور الإشراق عن الشمس، والإحراق عن النار. التعريفات للجرجانى: ص 212 - 213.
2 يقصد الفلاسفة المسلمين خاصة الفارابى وابن سينا، وهما قد تأثرا بنظرية العقول العشرة لدى أفلوطين السكندى.
3 واهب الصور عند الحكماء هو العقل الفعال، ويعرفه الغزالى- رحمه الله تعالى- في معيار العلم بأنه: كل ماهية مجردة عن المادة أصلا، أما من جهة ما هو عقل، فهو جوهر