ثم اعلم أن طائفة من الملاحدة (1) أنكروا إفضاء النرظ غلى العلم، واحتجوا في ذلك بأن قالوا: نحن نشاهد أقواما قد اعتقدوا مذهبا وأصروا عليه برهة من الدهر، ثن بعد ذلك يرجعون عنه، فلو كان النظر مضيفا غلى العلم لاستحال ذلك.
ومما احتجوا به أن قالوا: العلم ما دام حصل عقيب النظر علم إن كان ضروريا (2) وجب اشترك العقلاء فيه، وإن كان نظريا (3) افتقر إلى نظر آخر فيتسلسل.
ونحن نستدل عليهم من وجوه أربعة:
الأول: هو أنا نرى بعض العقلاء يستفيدون من النظر جزم القول بقدم العالم، وبعضهم بحدوثه وعلمنا أنه لابد وأن يكون أحد القولين صحيحا لاستحالة فساد طرفي النقيض (4) والمحق إنما ذهب إلى ما ذهب إليه بالنظر، فعلمنا أن النظر يقضي إلى العلم.
الثاني: وهو أنا نعلم أن النظر الصحيح من ضرب سبعة في ثمانية لابد وأن يفيد العلم بأنه ستة وخمسون إلى غير ذلك من العدديات والهندسيات وإنما أفضى إليه لترتب مقدمات في ذهنه على وجه تأدى إلى ذلك إلى ذلك المطلوب، فظنهم أن كون كل مطلوب نظري أمكن أن يتوصل إليه بواسطة استحضار مقدمات متأدية إليه أن تشاركه في الافضاء إلى العلم.
الثالث: وهو أنه لا يكمن ادعاء فساد النظر ضرورة لاختلاف العقلاء
(1) يقصد الإمام الرازي بالملاحدة: السمنية والمههندسون انظر المحمل: ص 41 وما بعدها.
(2) الضروري: هو الذي لا يحتاج إلى نظر واستدلال.
(3) النظري: هو الذي يحتاج غلى نظر واستدلال.
(4) النقيض: في اصطلاح المناطقة هو رفع تلك القضية فإذا قلنا: كل أنسان حيوان بالضرورة فنقيضها أنه ليس كذلك، انظر التعريفات للجرجاني: ص 219 - 220